تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تسد حاجة المتكلمين بها، وتوفر ما وصلت إليه أمتها من علوم وفنون، وتعبر عما يشعرون به ويفكرون فيه في شمول ودقة وإحكام، ولكن بشرط أن تكون الأمة بلغت مبلغا كبيرا في الحضارة، أما إذا كانت الأمة أولية ولغتها مثلها أولية فلا يكفي لعدها راقية أن تسد حاجتها.

ويخيل إلي أن الشرط الأول يجعل اللغة راقية، والشرط الثاني يجعلها وافية، وهما معا يجعلانها راقية وافية.

واللغة العربية - في ضوء هذا الذي ذكرنا - راقية بمرونتها التامة، غير وافية الآن؛ لأنها لا تطابق بينها وبين حاجاتنا، ولا تسد كل ما وصل إليه العلم والفن والفكر من إنتاج، فالعلماء والفنانون لا يجدون فيها كفايتهم، والصناع والعمال لا يعبرون بها عما في أيديهم، والمفكرون يتعثرون في التعبير بها عن بعض أفكارهم.

وإذا كانت اللغة العربية بطبيعتها راقية كان العيب ليس عيبا ذاتيا فيها، وإنما عيبها عيب القائمين عليها المصرفين لزمامها المالكين لقيادتها.

ولا بد - لمعالجتها - من هاتين العمليتين: «التقليم والتطعيم».

فأما التقليم فإن معاجمنا مملوءة بكلمات لا حاجة لنا بها ومترادفات كثيرة للشيء الواحد يكفينا بعضها، والزمن قد فعل فعله المعقول فأهمل كلمات كثيرة لم يستعملها الكتاب ولا الشعراء ولا المؤلفون ولا المتحدثون فيما ينتجون، ولم يشعروا يوما ما بحاجتهم إليها لغناء غيرها عنها، أو لانعدام مدلولها في حياتهم اليومية.

والسبب في هذه الكثرة البالغة المتجاوزة الحد في متن اللغة أن اللغة العربية كانت لغة قبائل متعددة، لكل قبيلة ألفاظها وتراكيبها في حدودها المعقولة وحاجاتها المتداولة، فجاء العلماء في آخر العصر الأموي وصدر العصر العباسي، فجمعوا ما وصلوا إليه من كل هذه اللغات من غير تفريق ولا تمييز، ومن غير أن يفردوا كل قبيلة بألفاظها، فكان لنا من ذلك كله ثروة كبيرة لا حاجة لنا بها إلا في شرح ما ورد عن هذه القبائل من أدب، أما حياتنا اليومية وتفكيرنا وأدواتنا فليست تحتاج إلى شيء كثير من هذا المترادف.

ومما يؤسف له أن هؤلاء العلماء عنوا في عملهم بالجمع، ولم يعنوا بجانب ذلك بالاختيار، مع أن الاختيار عمل لا يقل شأنا عن عملية الجمع.

وأكثر من هذا داعيا للأسف أنهم قصروا جمعهم على اللغات الممعنة في جزيرة العرب البعيدة عن الحضارة، كتميم وقيس وأسد وهذيل، ولم يرضوا أن يأخذوا شيئا من المتاخمين لأهل الحضر لفساد لغتهم في زعمهم، مع أنهم لو أخذوا عنهم لأمدونا بألفاظ كثيرة نحن أحوج إليها في حضارتنا؛ فقالوا: لا نأخذ من لخم وجذام لمجاورتهم أهل مصر، ولا من قضاعة وغسان لمجاورتهم أهل الشام، ولا من تغلب لمجاورتهم سكان الجزيرة، ولا من اليمن لمخالطتهم الهند والحبشة، وتفرغوا فقط لجمع لغة العرب الصرفة المنزهة عن الاختلاط، وهي وجهة نظر قد تكون صحيحة لو أنهم لم يقتصروا عليها، وجمعوا معها اللغات المتاخمة؛ لأنها أغنى وأوفر وأقرب لسد حاجة المدنية والحضارة.

أرادوا - لقصر نظرهم - أن يقتصر الناس على استعمال الألفاظ العربية الصحيحة المستعملة في جزيرة العرب، وفاتهم أن هذا مستحيل، وأن الناس بعد مدنيتهم لا تكفيهم لغة بداوتهم، كما لا يكفي ثوب الطفل لجسم الرجل.

ولذلك اضطر المؤلفون والأدباء والكتاب والمتحدثون ألا يخضعوا لحكمهم وأن يستعملوا الكلمات غير العربية، سدا لحاجتهم، وطبقا لمقتضيات أحوالهم، واضطر أصحاب المعاجم أن يدخلوا في معاجمهم الكلمات الأعجمية المعربة والمصطلحات العلمية المستحدثة، كما فعل صاحب القاموس المحيط، فقد تضخم معجمه بهذا كله، وكما فعل أكثر منه صاحب تاج العروس في شرح القاموس. •••

عملية التقليم هذه تتطلب أن نستبعد الألفاظ التي لسنا في حاجة إليها، وأن نخلي مكانها لما نحتاج إليه، فليس فخر اللغة أن يكون فيها ثمانون اسما للعسل، وخمسون للأسد، وأربعمائة للداهية إلخ. بل يكفي من كل ذلك أربعة ألفاظ أو خمسة، ثم نفسح المجال لأسماء المخترعات الحديثة والمصطلحات الجديدة، نعم يجب أن تكون هناك معاجم تحوي كل ما أثر عن العرب، ولكنها تكون معاجم تاريخية يرجع إليها الخاصة، أما المعاجم التعليمية التي تكون بأيدي جمهور الناس فيقتصر فيها على الكلمات الحية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣١٥