تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا بعرضنا كل الأدب العربي على الناشئين بغثه وسمينه وصحيحه وفاسده - من غير «تقليم» - نضع في أذهانهم صورا مختلفة متناقضة لمثل مختلفة يضرب بعضها وجه بعض، ولا نكون لهم مثلا أعلى منسجما، فتكون النتيجة بلبلة الأفكار، وحيرة الأذهان واضطراب الناشئ يمينا ويسارا، وأماما وخلفا، وفي هذا ضرر بين على عقله وعواطفه.

ما بالنا في فروع العلم المختلفة نعلمه ما أثبت العلم صحته في الطبيعة والكيمياء والرياضة والجغرافية وعلم الأحياء، ولا نعلمه بجانبه ما أثبت العلم فساده من سطحية الأرض، ودوران الشمس حولها، وخلق الحي من غير الحي ونحوها، ثم لا نفعل ذلك في الأدب، فنعلمه ما صح وما فسد، وما يبعث عواطف مريضة بجانب ما يبعث عواطف صحيحة؟!

لا بد أن يكون لنا منهج واحد وأسلوب واحد في هذا وذاك، وإلا كنا نزن بميزانين ونكيل بكيلين. •••

هذه العملية الأولى، وأما العملية الثانية وهي «التطعيم» فأعني بها أننا ندرس وجوه النقص في أدبنا وفننا، فيعكف أدباؤنا على ملاقاته، وندرس مثلنا الأعلى فنرى ما يدعمه ويقويه مما ليس في أدبنا فنخلقه، ونجعل هذا النوع وما استصفيناه من الأدب القديم غذاءنا.

لشد ما نحتاج في أدبنا إلى الإكثار من تحليل الشخصيات العظيمة لتخلق فينا عظماء جددا، ولشد ما نحتاج إلى الكتب الجذابة لنشئنا لتغذيتهم بالمبادئ القويمة، ولشد ما نحتاج إلى شعر في الطبيعة وجمالها، وإلى شعر جاد قوي أخلاقي روحي نابع من خيال رفيع، ولشد ما نحتاج إلى القصص تشرح العيوب الاجتماعية وتستغفل القارئ فتضع له الدواء القوي المر أثناء تلذذه بحادثة أو منظر! إلى نحو ذلك.

عملية «التقليم والتطعيم» هي قانون الحياة، نشذب الشجر لينبت العود الصالح، ونقطع العضو الفاسد في الجسم حتى لا يسري فساده إلى السليم، ونطعم الشجرة لتنتج خير الثمار وأحسن الأزهار، ونضحي في كل شيء بالقليل لنغنم الكثير وندفن الميت لنستقبل الحي. فما لنا لا نفعل ذلك في الأدب والفن؟!

لقد مر على العالم الإسلامي عصور حية زاهرة أنتجت أدبا حيا زاهرا، ومر عليه عصور ميتة جامدة أنبتت أدبا ميتا جامدا، ولا بد لنا من التنقية والاختيار.

وعلى الجملة لا يمكن أن يصلح أدبنا وفننا إلا بعمليتي التقليم والتطعيم، ولو كره الكافرون.

| التقليم والتطعيم في اللغة

ما قلناه من إجراء العمليتين في الأدب يصدق تمام الصدق على اللغة، فمادة اللغة العربية تحتاج إلى تقليم وتطعيم.

ذلك أن اللغة عرض من أعراض الأمة تتقدم بتقدمها وتنحط بانحطاطها، فلغة العرب في الجاهلية كانت تكفي لحاجاتهم القليلة ومنازع نفوسهم المحدودة وشئونهم الاجتماعية الأولية، فلما جاء الإسلام لم ير اللغة الجاهلية كافية له، فنماها من ناحيتين: من ناحية استعمال الكلمات الجاهلية في معان جديدة لم تكن تستعمل فيها من قبل، ومن ناحية تعريب كلمات من لغات أخرى، وهكذا كان الشأن في العصر الأموي والعصر العباسي، ولو أحصينا مفردات اللغة في هذه العصور المختلفة لوجدناها قليلة نسبيا في الجاهلية، كثيرة في صدر الإسلام، كثيرة جدا في العصر العباسي، وليس الأمر في ذلك مقصورا على مفردات اللغة وعدد كلماتها، بل نجد كلمات ماتت بموت مدلولها في الجاهلية وكلمات ظلت حية في العصور المختلفة لحاجة الأمة إليها.

كانت إذا عملية التقليم والتطعيم مستمرة في هذه العصور، تحكم بالإعدام على الألفاظ التي لا تحتاج إليها أو التي تستثقلها، وتقتبس من العبرانية والسريانية والهيروغليفية والحبشية والفارسية واليونانية واللاتينية وغيرها ألفاظا جديدة حسبما تدعو إليه الحياة اليومية الواقعية.

متى تعد اللغة راقية وافية؟

عندي أن مقياس ذلك شيئان أساسيان: (1)

أن تكون في طبيعة اللغة مرونة من اشتقاق وارتجال ووضع ومجاز ونقل عن لغة أخرى، وهكذا يمكن أصحابها أن يقلبوا الكلمات ويصوغوها حسب تعدد المعاني وتغيراتها الدقيقة. (2)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣١٤