امتحنت هذه النظرية فقرأت كتابا من كتب الأدب العربية، فوجدتني في كل صفحة من صفحات الكتاب قد علقت - في ذهني - على بعض الجمل بأنها غير صالحة، لأنها تبعث الضعف، وبعضها غير صالح، لأن العلم الحديث أثبت كذبه، وبعضها غير صالح، لأنه كان مثلا أعلى قديما وليس مثلا أعلى حديثا، وبعضها صالح كل الصلاحية، لأنه يناسب زمننا كما كان مناسبا لزمنه، فهو مستحق للبقاء.
قرأت مثلا قول المغيرة بن شعبة: «أحب الإمارة لثلاث، وأكرهها لثلاث: أحبها لرفع الأولياء، ووضع الأعداء، واسترخاص الأشياء، وأكرهها لروعة البريد، وفوت العزل، وشماتة العدو»، فقلت: إن هذا نظر غير صائب، وشعور غير نبيل، إنما تحب الإمارة للعدالة، وإيصال الحقوق لأصحابها، وتحقيق ما أمكن من إصلاح، أما حبها لنفع الصديق وضر العدو ونحو ذلك فنظر سطحي سخيف، لا يصح أن يعرض على النشء.
وقرأت قول القائل: «كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه».
فقلت: هذا غير صحيح وإن حسن لفظه؛ لأنه في كل أمة، وفي كل عصر، وفي كل جماعة، ورق وشوك، فلا يخدعنك حسن التعبير عن فساد المعنى.
وقرأت خطبة لسعيد بن سويد: «لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف، ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق، وأخذ بالعدل».
فقلت: هذا قول حق، يصلح لكل زمان ومكان، ويصح أن يعلم لكل ناشئ، ويردده كل متأدب.
وقرأت قول الشاعر:
أشرقت حتى تركت الشمس ساجية
كأنما ألبست دكنا من الحلل
وراح نقعك في أجفانها كحلا
وما عهدنا بجفن الشمس من كحل
لقد حقنت دم العليا بجود يد
مخضوبة بدماء المحل والبخل
أظما إلى رشفها يوما فيصدفني
عنها تعرض سيل العارض الهطل
فقلت: إن هذا الضرب لا يعجبني، رجل أعطى الشاعر قبضة من مال، فجعله أكثر إشراقا من الشمس، وجعل يده مخضوبة بالدم من قتل البخل إلخ، وهي معان مبتذلة، وموقف استجداء وضيع، وعاطفة شخصية جزئية حقيرة، فهذا الضرب لا أشجع عليه، ولا أقدمه مثالا يحتذى، وخير منه قول المتنبي في المديح:
إذا الدولة استكفت به في ملمة
كفاها، فكان السيف والكف والقلبا
إلخ.
وقرأت من الأمثال قولهم : «الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك»، فقلت: قول مبهرج، ولا معنى له، فليس بصحيح أن السيف إن لم تقطعه قطعك.
وقرأت قول الشاعر:
تطامن للزمان يجزك عفوا
وإن قالوا ذليل قل ذليل
فقلت هذا شعر يجب أن يضرب به وجه ناظمه الحقير.
وقرأت نصيحة عمرو بن عتبة لمعلم ولده: «روهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه»، فقلت: قول شريف صحيح. ثم قرأت قوله: «ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم» فقلت: هذا غير صحيح فيما أثبت علم التربية الحديث.
وبجانب ذلك قرأت أدبا جيدا كل الجودة، حقا كل الحق، نافعا لأن يكون جزءا من مثلنا الذي ننشده، لا أطيل بذكره لكثرته.
وهكذا وجدت فيما استعرضت خيرا كثيرا، وشرا كثيرا، فلا بد من التقليم والتطهير واستبقاء الأصلح.
خرجت من فكرة «التقليم» هذه بأن أولي الرأي في الأمة يجب أن يكون لهم غرض واضح معين في تربية النشء، ووضع أسس ثابتة في التربية، ورسم مثل أعلى واضح جلي، فإذا تم ذلك وجب على كل طائفة أن تسعى لتحقيق هذا الغرض، والأدباء والفنانون في طليعة هذه الطوائف، يجب أن يعيدوا النظر في الأدب والفن، فلا يضعوا في يد النشء من الأدب العربي والغناء والأناشيد والتصوير، إلا ما ينسجم مع هذا المثل، وإلا كنا كطائفة تغزل غزلا، وتأتي طائفة أخرى فتنقض غزلها.
إن عملية التقليم هذه تكسبنا عينا ناقدة نفرز بها الجيد من الرديء، ونميز بها الصالح من الطالح، في الشعر والخطب والأمثال والحكم والقصص والأغاني والروايات، وكل ضرب من ضروب الأدب، وكل نوع من أنواع الفن.
إن الأدب العربي في جملته نوعان: نوع غير صالح لحياتنا الواقعية التي نحياها الآن، ولا يتفق مع مثلنا الأعلى الذي ننشده في هذا الزمان، وهذا يجب أن يوضع في متحف، كالآثار القديمة، يعنى به الخاصة وحدهم ومؤرخو الأدب فقط، ونوع صالح لزماننا ومثلنا، وهذا وحده هو الذي نسلمه لنشئنا، ونصوغ منه أمانينا، ويستشهد به أبناؤنا، ويحفظ منه جيلنا.