والأدب عامة يتطور بتطور الأمة، ويتفاعل معها، فيوثر فيها ويتأثر بها، وإنك لتستطيع - بالنظر العميق - إذا درست أدب أي أمة في أي عصر أن تستنتج منه حالة الأمة الاجتماعية، وظروفها السياسية، ونظم حكمها، وحالة شعبها.
إن كان كذلك فمن المحال أن تعيش أمة على الأدب القديم وحده، أو على أدب العصور الوسطى فقط، وإلا كانت كالتاجر يعيش على تصفح دفاتره القديمة فحسب، وهذا علامة الإفلاس.
إن أدب كل أمة يرسم المثل الأعلى لها، والمثل الأعلى ليس صورة ثابتة متحجرة، بل هو مرن، ويجب أن يكون مرنا، ويختلف بتقدم الإنسان وتغير ظروفه وملابساته، ويتقدم كلما خطا الإنسان خطوة إلى الأمام.
وهذا هو الشأن في الأدب العربي، فهو ليس أدب أمة واحدة، بل هو أدب أمم مختلفة في عناصرها، ونوع ثقافتها، ودرجة عقليتها، وموقع إقليمها، كما هو أدب أمم مختلفة العصور والأزمنة، والوضع السياسي، والحالة الاقتصادية، والمعيشة الاجتماعية - وهو في عصوره المختلفة قد صور المثل الأعلى أشكالا وألوانا، فالمثل الأعلى الجاهلي غيره في العصر الأموي، وهما غيره في العصر العباسي، وهو في العراق غيره في مصر.
وأمم الشرق في العصر الحاضر من حيث موقفها من المدنية الغربية، ومن حيث آمالها السياسية، ومن حيث عواطفها القومية، ومن حيث نظمها الاجتماعية، لا بد لها من مثل عليا جديدة تحض الجيل الجديد على الطموح إليه والسعي وراءه وإلهاب العواطف لنيله، وهذه وظيفة الأدب في كل أمة، ومنها الأدب العربي.
في الأدب العربي القديم لا نجد كل غذائنا، وفي الأغاني القديمة لا نجد ما يغذي كل عواطفنا، وفي كل فنوننا القديمة لا نجد ما يرسم كل مثلنا الأعلى الذي ننشده.
لقد قامت مناظره مرة في أن الأدب العربي القديم يصلح غذاء للجيل الحاضر أو لا يصلح، فاخترت الشق الثاني، ولست أعني أنه قليل القيمة أو عديم المنفعة، ولكن أعني أنه وحده لا يكفي في الغذاء، وأنه ينقصه كثير من أنواع «الفيتامين»، ليصلح به العقل وترقى به العواطف.
وللوصول إلى هذا الغرض لا بد من العمليتين اللتين أشرت إليهما، وهما التقليم والتطعيم.
أما «التقليم» فأعني به أن الأدب العربي مثله مثل تل كبير من قمح، بعضه طين اختلط بالقمح فيجب أن ينقى منه، وبعضه حب مسوس يجب أن يستبعد، وبعضه صالح يجب أن يفرز وحده لنستعين به على الغذاء الصالح، لقد كان كله صالحا، أو على الأقل نتاجا طبيعيا لعصره، ولكن ما كان صالحا لعصر قد لا يصلح لعصر آخر.
إن الأوضاع السياسية للأمم - مثلا - غيرت نظرة العصور الماضية إلى الحكام، فيجب أن نغربل الأدب القديم، فلا نقر منه ما يضع من شأن الأمة كأمة ويقدس الحاكم كحاكم، والعلم بالأحوال الاقتصادية غير من نظرنا إلى الفقر، فلم يجعله قضاء وقدرا فقط، بل جعله نتيجة طبيعية لحالة الأمة ووجوه دخلها وخرجها، ونظام ميزانيتها ومواردها ومصادرها، فالأدب العربي الذي يبعث على الرضا بالفقر كنتيجة محتومة لا دخل للأمة ونظامها فيه يجب أن يستبعد، وأحوال الأمم كلها الآن تستدعي نفوسا قوية في إيمانها، قوية في عقيدتها، قوية في عواطفها، فلنقس الأدب العربي بهذا المقياس، فما كان منه يبعث على الميوعة، وعلى الانهماك في الشهوات، وعلى الخذلان وضعف الثقة بالنفس والثقة بالأمة والثقة بالله يجب أن يعدم.
إن الأمم الآن تتطلب التضحية، تتطلب مثلا أعلى أساسه خير المجتمع لا خير الفرد وحده، وتتطلب إعداد الفرد للكفاح، فما كان من الأدب العربي يدعو الفرد أن يبحث عن لذته مهما كانت نتائجها على المجتمع يجب أن ينحى، والأدب الذي عماده أن فلانا أعطاه من مال الأمة لقصيدة أشاد فيها بذكره فجعله ملكا فوق البشر، ليس صالحا لجيلنا بحال من الأحوال، بل إن مدح الملوك والأمراء والحكام يجب أن يكون أساسه العدل وخدمة الرعية، وأداء ما عهد إليهم بذمة وصدق، سواء أعطوا مالهم الخاص أو منعوا، كرموا أو بخلوا، وأن الأدب الذي يخيف من الموت، ويجعل الحياة كلها توقعا للموت، وخوفا من الموت، يجب أن يموت، ويحل محله تقديس الحياة والعمل للحياة، حياة الأمة وحياة الفرد، ولا بأس بالموت إذا الموت نزل! •••