تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الفنون كلها تنبع من عواطف، وتؤدى بشكل جميل إلى العواطف، فتثيرها وتخلق المشاركة فيها، إنها - على اختلاف أنواعها - غذاء العواطف، كما أن العلم - على اختلاف أنواعه - غذاء العقل، وظلت المدارس جاهلة أن الإنسان عقل وعواطف، سائرة على أنه عقل فقط، فملأت برامجها بالعلم لغذاء العقل، وأهملت العواطف، حتى آمنت أخيرا بأنه عقل وعواطف، فعدلت برامجها وأدخلت فيها الموسيقى والرسم والتصوير والغناء، فآمنت - بعد كفر طويل - أن الفنون تربية يستكمل بها الإنسان بعض نواحي النقص فيه.

إن كان كذلك، أفليس عجيبا أن يكون موضوع الحب في أغانينا يستغرق منها تسعة وتسعين في المائة؟ كأن ليس لنا عاطفة إلا عاطفة الحب! ثم أي حب؟ إنه الحب المادي الوضيع، والحب المائع، والحب الذائب.

إن مثلنا - إذ ذاك - مثل أمة كل شعرها ونثرها الفني غزل، وكل تصويرها امرأة عارية، وكل أكلها نوع من الغذاء واحد، وكل حياتها لون واحد.

أين غذاء العواطف الأخرى في الغناء؟ أين غذاء عواطفنا في مشاهد الطبيعة الجميلة؟ وأين عواطفنا في الإعجاب بالبطولة المجيدة؟ وأين عواطفنا في مواقفنا التاريخية الجليلة؟ وأين عواطفنا في كرهنا للنذل والجبان؟ وأين إعجابنا بالمرأة تنتج النتاج القوي الباهر؟ والرجل يضحي لأسرته، والرجل يضحي لقومه، إلى ما لا يحصى من عواطف! أعدمنا كل هذا ولم يبق إلا الحب؟

ألجأنا إلى هذا كله أننا نظرنا إلى الغناء على أنه مسلاة فقط، ولما يصل رقينا إلى أن نشعر أنه تربية للأمة.

إننا من أكثر الأمم حبا في الغناء، وحسنا في الصوت، وقدرة على تكييفه، فالغناء في الإذاعة، وفي القرآن، وفي الأذان، وفي النداء على المبيعات، وفي الذكر، وفي الزار، وفي الأفراح، وفي المآتم، وفي كل مظهر، ولكن كل هذا ضائع، لأننا لم نعرف استغلاله، ويحمل وزر هذا الأدباء والمغنون: فالأدباء تأخذهم عزة الأرستقراطية فلا ينزلون إلى ميادين الشعب يضعون له غناءه، وإذا نزلوا لا يحسنون، لأنهم لا يدركون روحه، والمغنون مائعون، تضع في حناجرهم أناشيد الحماسة والقوة فسرعان ما يقلبونها إلى تخنث وضعة وتذلل وبكاء.

ومما يؤسف له ظاهرة شائعة، وهي تأنث المغنين وترجل المغنيات، كما كان من دواعي الأسف أننا ننحدر من سيئ إلى أسوأ، فقد استعرضت أغاني عبده الحمولي ومحمد عثمان، فرأيتها أقوى وأسمى وأعف من كل ما وصلنا إليه في أغانينا الحديثة في الكثير الأغلب، والأمة لاهية، تترك السم يفعل في عقولها وعواطفها، ولا تبحث عن دواء.

لا أحب أن تنعدم أغاني الحب، فما دامت عاطفة الحب موجودة، وهي - بحق - يجب أن تكون موجودة، فلا بد لها من غذاء، ولكني أحب لها غذاء قويا نقيا، وأحب أن يكون بجانب أغانيه أغان تعادله من حب للبطولة والنجدة والشجاعة والرحمة ولغيرها من العواطف.

إن العود لم يخلق عبثا له أوتار متعددة، والحنجرة لم تخلق عبثا لها قوى متعددة، والغرب أدرك هذا كله، فعدد مناحي موسيقاه، وعدد مناحي غنائه: فهل نحن فاعلون؟

ثم تساءلت عن السبب الاجتماعي الذي أدى إلى هذا التدهور! ثم إذا طبق ما يقولون من أن الفنون عامة - والأغاني خاصة - أدل على حالة المجتمع، فماذا يمكن أن نستنتج من هذه الأغاني المصرية؟ فرأيت أن المقال يطول، فلنعد له في مقال تال إن شاء الله.

| التقليم والتطعيم في الأدب

جرني التفكير في «الأغاني المصرية» إلى توسيع النظر في الفنون والآداب المصرية والعربية، فوجدتها كلها تحتاج إلى عمليتين هامتين خطيرتين: أولاهما عملية التقليم، والثانية عملية التطعيم، ولأقتصر في حديثي اليوم على التمثيل بالأدب العربي، فهو أخطر الفنون وأكثرها أثرا في حياة الشعوب. •••

واضح أن آداب الأمم تختلف باختلاف شخصياتها ومميزاتها وميولها، كما تختلف باختلاف أمزجة أدبائها، وكما تختلف باختلاف بيئتها، سواء كانت بيئة طبيعية من جو ووضع جغرافي، أو بيئة اجتماعية من سياسة ودين وأوضاع وتقاليد ونحو ذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣١١