مصر الجميله ما أحلاك
يا بخت اللي يكون في حماك
واللي يعيش تحت سماك
ويملا قلبه بهواك
يبقى سعيد
يا بلادي يا بلادي
يا ضيا البلدان
لك حب في فؤادي
موقد نيران
وأغنيتان دينيتان تدعوان إلى التوكل على الله وترك الأمور تجري في مجاريها:
سلم الأمور للرب
لا تخف ولا ترهب
الزم باب ربك
واترك كل دون
ثم لنرجع بعد إلى الأغلبية الساحقة وهي أغاني الحب، فنجد أنها تتنوع أنواعا مختلفة: شكوى الغرام وما سببه الحب من سقام، فالهجر طال، والدمع سال، والجسم ذاب، والعقل راح، ونحو ذلك مما تمثله هذه الأغنية:
ياما شفت مرار وقضيت أيام
وأنا ليل ونهار إزاي أنام
والعشق ده نار وعذاب وهيام
وضنى وغيره وبكا وحيره
ثم شكوى العذال والدعاء عليهم وعدم الاكثراث بهم:
روح يا عذولي - ما لك وما لي
لو ذبت وجدا - ما أفوت غزالي
ثم التفنن من الرجل في وصف من يحب، ومن المرأة في وصف من تحب.
فقوامه غصن البان، وورد خده على الزهور سلطان، والخد أسيل والجفن دابل، وحبيبه فريد عصره وأمير زمانه، كحيل العين خفيف الذات، جالس على عرش الجمال، إلى نحو ذلك من معان طال الزمان عليها وهي كأوراق اللعب وحجارة النرد أو الشطرنج، يلعب الأدباء بها فيختلف تصفيفها ويتحد عددها وجوهرها.
رأيتها مجموعة مختلفة العصر من عهد «عبده الحمولي» و«محمد عثمان» إلى الآن، ورأيت إنشاءها مختلف القوة، مما يدل على أن مؤلفيها بعضهم من أرقى الأدباء نزلوا إلى الميدان فألفوا بالعامية وسلموها للمغنين يلحنونها ويغنونها مثل دور:
أدك أمير الأغصان
من غير مكابر
وورد خدك سلطان
على الأزاهر
والحب كله أشجان
يا قلبي حاذر
دا الصد ويا الهجران
جزا المحاطر
ودور:
الله يصون دولة حسنك
على الدوام من غير زوال
إلخ.
وبعضها مهلهل من وضع العوام وأبناء الشوارع وبنات الحارات كطقطوقة «دندرمه يا دندرمه»، وطقطوقة «اسم النبي حارسك» إلخ.
ثم منه حب عفيف مؤدب، وحب غير مؤدب وهو الأغلب، ومنه ما لا يمكن أن يقال إلا في حانة أو بيت دعارة، وبعضها استخدمت فيه مخترعات العصر وأساليب المدنية في الخلاعة والحرية، مثل طقطوقة «التاكسي على الباب مستني»، وطقطوقة «قل لي على نمرة تلفونك»، وطقطوقة «بنجور يا هانم»، وطقطوقة «قابلني حبي وأنا رايحه الموسكي وسقاني كونياك على وسكي» إلخ.
ثم هذه الأغاني على كثرتها لا ترى فيها ظلا - إلا قليلا جدا - لوصف المرأة المحبوبة بنبل الخلق وحسن المعاني وجمال الفكر وسمو النفس، إنما هي كلها حول خدها الوردي وعيونها العسلية، وأن نهودها رمان، وقدها غصن البان - والمرأة لا تتطلب من الرجل رجولته وحسن صفاته، إنما تطلب أن يكون جميلا و«جدع قيافه» و«صغير في العمر» و«دمه خفيف» و«عاوج طربوشه».
ثم ما هذا الحزن الشائع في الأغاني؟ فالحب عذاب، والهجر عذاب، والعذال عذاب، والقلب مجروح و«دمي بدمعي امتزج» و«ما حيلتي غير دموع العين»، و«ما حد زيي على خله انضنى حاله»، و«ناعس جفونك حرمني النوم»، و«يا كنز نوحك على الأحباب»، و«آسيت كتير لما حبيت»، و«يا ما بآسي وبشكي» إلخ إلخ، وكثيرا ما تبدأ الأغنية بالسرور والفرح، ولكن سرعان ما تنقلب إلى غم وكمد، ثم التذلل المفرط والاسترحام المفجع، والاستغاثة بالناس، وبالأحباب وبالأعداء، وبالمسلمين وبالنصارى، حتى يتدخلوا في الحب ويتوسطوا في الوصل. •••
أما بعد فهذه صورة مصغرة لما قرأت، ثم تساءلت: ما وظيفة الغناء في الشعب؟ وهل تؤدي هذه الصورة التي عرضتها تلك الوظيفة؟
إن الغناء فن من الفنون الجميلة كالتصوير والموسيقى والأدب، وهذه كلها وظيفتها نقل عواطفنا إلى غيرنا في ثوب جميل، وهي تقابل في ذلك الكلام غير الفني في نقله أفكارنا إلى غيرنا، فالفنون الجميلة لغة العواطف، والكلام لغة العقل، وإذا كانت اللغة قاصرة كل القصور في التعبير عن العواطف استعنا على تكميل نقصها بمحسنات من إشارة وتمثيل في الخطابة، واستعارات وكنايات وتشبيهات ومحسنات بديعية وخيال في الأدب، وألوان مختلفة في التصوير، وصوت جميل في الغناء، وآلات مختلفة في الموسيقى، والغناء غني بهذه المحسنات، فهو يعبر عن هذه العواطف، مستعينا بالأدب وجماله، والصوت وجماله، وكثيرا ما يقرن بالموسيقى وجمالها، فهو في هذا كله احتفال جمال ليس له نظير في هذا الباب.