لقد لمع هذا الرجاء على أثر الحرب الماضية بتعاليم الرئيس ولسن ووضعه أسسا لعصبة الأمم، ولكن فشل هذا النظام لأنه كان كالرقعة الجديدة في الثوب البالي، ولم يغير نظام الدول بما يتفق ونظام العصبة، ولا يمكن تحقيق هذا النظام إلا إذا تغير «الطقم» كله من نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، وتوج بالعصبة التي تنسجم وهذا النظام.
ومما لا شك فيه أن العالم مستعد الآن جدا لهذه الخطوة، وأن المصائب المرة التي يشهدها، والفجيعة الفظيعة التي يئن منها في الأنفس والأموال والثمرات، ستقربه جدا من هذه الغاية، وسيتم هذا الأمل لو وفق قادة السياسة فنظروا إلى العالم من عل، ومزجوا نظرتهم المادية بنظرة روحية، وشعورهم القومي بالشعور الإنساني، وفكرتهم العلمية بفكرة أرقى فلسفية.
وهذا ما لا بد - عاجلا أو آجلا - أن سيكون.
| الأغاني المصرية
بالأمس وقع في يدي كتاب من طريق المصادفة البحتة عنوانه «مجموعة الأغاني الشرقية» وهي الأغاني التي سجلت على «الأسطوانات» من شركة «بيضافون» و«جرامفون» و«أوديون» و«بوليفون»، وكنت في ذلك اليوم ضيق الصدر، لا تتفتح نفسي لتفكير، ولا قراءة ولا كتابة، فحمدت الأقدار التي رمت بهذا الكتاب إلي، أو التي رمتني على هذا الكتاب، فلدي ساعات فراغ لا أعرف كيف أقضيها، فلا أنا صالح لجد ولا لعب.
أخذت أقلب فيه، وأقرأ وأقرأ، ثم قلت: اجتهد أن تسلط عليه البحث الجامعي، أوليست الدراسة الجامعية تجعل من الحبة قبة، ومن الهزل جدا، وإن شاءت فمن الجد هزلا؟ وقد وصفتها مرة بأنها تميت الحي وتحيي الميت، فهي تحيي اللاتينية واليونانية والحبشية والأكادية وقد ماتت، وتنبش الأحجار وقد دفنت ، وتبعث ما في القبور وقد طويت، وهي تميت الحي، فتدرس اللغات الحية دراسة تميتها وتفقدها روحها، وتبعد عن تذوقها، ولذلك قل أن تخرج الجامعة أديبا شاعرا أو كاتبا، وإنما تخرج أديبا ناقدا أو أديبا عالما، ومن كان أديبا من رجال الجامعة فمن طبعه ومن نفسه، لا من الدراسات الجامعية، وإن شئت فقل: إنه أديب على الرغم من الدراسات الجامعية، لا أديب بفضل الدراسات الجامعية!
ما لنا ولهذا؟ فقد أنفقت أمس في كتاب «الأغاني» هذا، فقلت - أولا - أحصر عدد ما فيه من أغان، وأعرف موضوعاتها، فرأيت أن الكتاب ينقسم إلى قسمين: قسم خاص بالأدوار والمواويل والمذاهب والتواشيح والطقاطيق، والقسم الثاني «للقصائد»، ووجدت أن في الكتاب بقسميه 1199 أغنية، بين دور وموال وتوشيح وطقطوقة وقصيدة، ووجدت أنها كلها في الحب، ما عدا خمس عشرة أغنية في موضوعات غير الحب، أي إن نسبة ما قيل في غير الحب للحب كنسبة واحد إلى مائة تقريبا.
ثم موضوعات غير الحب بعضها أيضا يتعلق بالحب، فامرأة تشكو من أن زوجها تزوج عليها أربعا في أغنية «جوزي اتجوز علي أربعه»، وامرأة تشكو حماتها في أغنية «حماتي علي قوية وأنا ما اقدرش على العيشة ديه»، ورجل يشكو العزوبة في أغنية «العزوبيه طالت علي، قومي اخطبي لي حلوه وغنيه» ثم ماذا؟
استعجبوا يا أفنديه
لتر الجاز بروبيه
وطقطوقة في شكوى الحشاشين من عدم الإنصاف، إذ تصادر الحكومة الحشيش وتترك الخمر، مطلعها:
انصفنا يابا - دحنا غلابه
حنشد فين ونحشش فين
دي بقت بميتين الوقيه
ورجل يتحسر على حرمانه من «الجنيه»، فيقول:
غاب الجنيه قلبي عليه
جرى له إيه هو في سفر
رمز الحياه باب النجاه
يشفي العليل يجلي النظر
وشكوى من دودة القطن، مطلعها:
يا شيخ العرب يا شنودة
والقطنه كلتها الدودة
والبنات عاوزة تجوز
والجدعان نفسها مصدوده
وطقطوقة في زيادة النيل:
البحر أهو زاد - عوف الليه
غرق البلاد - عوف الليه
ثم بعض قصائد وطنية، كمارش البرلمان:
وطني أنا بالروح أفديه
حب الوطن دا من الإيمان
تعيش مصر حره
ويلاحظ أن الأغاني الوطنية في لغتها ونغمتها وعباراتها جارية على نمط الحب: