إن مهمة السياسة والأخلاق إنما هي تحديد العلاقات، فإذا تعقدت العلاقات فلحلها نظم، وإذا سذجت فلحلها نظم، وهذه النظم ليست جسما صلبا ولا حجرا صلدا، وإنما هي تابعة لنمو الإنسان وتطوره، فسياسة الطفل غير سياسة الرجل، وسياسة البدوي غير سياسة الحضري، وقانون سكان الوبر غير قانون سكان الحضر، فمحال أن تتصور نمو العالم ونمو العلاقة بين أجزائه، ثم تريد أن تحتفظ بنوع السياسة أو نوع الأخلاق الذي يحدد هذه العلاقة.
لست أفهم هذه الحرب إلا أنها ثورة عنيفة على النظم التي تحدد هذه العلاقة، وإعلان دموي بعدم صلاحيتها ومطالبة صاخبة بتغييرها وفق تقدم الإنسانية وتقدم فهمه وعلمه وعلاقاته، ودعوة صريحة بأن علاقات العالم الواسعة تتطلب حتما سياسة واسعة وخلقا واسعا، وإلا عدت جنونا.
وأدهش كل الدهش من دعوة إلى جنسية لتحل محل القومية والوطنية! فهذا أيضا نظر قاصر، ولا فرق في الضيق بين نظرة جنسية ونظرة قومية، والانتقال من هذه إلى تلك ليس إلا انتقالا من مرض إلى مرض وانتقالا من فن من الجنون إلى فن آخر. •••
ليس من الممكن ولا من المصلحة القضاء على الوطنية والقومية، فحب الوطن طبيعي في الإنسان بل والحيوان، والعمل على إسعاده طبيعي أيضا فيهما، فالطير يحمي وكره، والأسد يحمي عرينه، والبدوي يموت دون قبيلته، والحضري لا يحيا إلا بأمته، ثم هذه الوطنية قد أثرت في الأفراد تأثيرا سحريا، فاستخرجت منهم أقصى ما يمكن من المجهود العقلي والفني والنشاط الفكري والجسمي، ودفعت المدنية خطوات واسعة إلى الإمام، وعرضت مناظر من التضحية هي غاية في الروعة والجمال، وما كان يكون ذلك كله لو طلب من الأفراد أن يعملوا للإنسانية كلها لا لأمتهم، فالقنطار من السكر يحلي حوضا، ولكن لا يحلي نهرا، والمصباح الكهربائي قد يضيء غرفة وقد يضيء دارا، ولكن لا يضيء سماء، فخير لنا أن ننتفع بالسكر على قدر إحلائه والمصباح على قدر إضاءته.
ولكن لم لا تكون علاقة الوطنية بالإنسانية كعلاقة الفرد بأسرته وعلاقة الأسرة بأمتها؟
لقد كان الإنسان قديما لا يستطيع التوفيق بين شخصه وأسرته ولا بين أسرته وأمته، وكان يضطرب سلوكه إذا تعارضت هذه المصالح، ولا يزال الإنسان المنحط لا ينظر إلا إلى نفسه أو لا ينظر إلا إلى أسرته، ويفضل أن يتخم هو ولو كان كل من حوله جائعين، وتؤمن أسرته ولو كان كل الأسر حوله خائفين، ويسعد هو وأسرته في وسط الشقاء، ولا يرى بأسا من بؤس عام إذا كان هو وبيته في رخاء - ثم تطور الإنسان ورقى وأصبح ينشد مع أبي العلاء قوله:
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
ومع البارودي قوله:
أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ
أحق بالري لكني أخو كرم
لقد رقى شعوره ورقى عقله حتى وفق بين مصلحته الشخصية ومصلحة أسرته، ثم رقى شعوره ورقى عقله حتى وفق بين مصلحة أسرته ومصلحة أمته، ورأى أن ليس من الخير في شيء أن يعيش لنفسه دون أسرته أو لأسرته دون أمته، وبلغ من رقي بعض الأفراد أن يدرك أن خير أسرته وخير أمته يتحدان، فقبل تجنيد أبنائه عن طيب خاطر، ورأى أن مصلحة أسرته ومصلحة أمته في ذلك شيء واحد، ودفع الضرائب راضيا كذلك، والتزم كل ما توجبه القوانين ولو ضحى ذلك بجزء من ماليته وجزء من حريته، لسمو نظره فوق الاعتبارات الشخصية والاعتبارات العائلية، كل هذا تم مع الاحتفاظ بالأسرة والاحتفاظ بالأمة معا، فلماذا لا يخطو العالم الإنساني خطوة أخرى في الرقي، فيوحد بين خير الأمة وخير الإنسانية، ويرى خير الأمة من خلال خير الإنسانية، ولا يرى الخير لأمته إذا تعارض مع خير الإنسانية!
لقد حدث هذا فعلا في بعض المسائل الجزئية كاتحاد البريد بين الأمم، فاحتفظت كل أمة بشخصيتها في نظام البريد وطوابعه واستغلاله، ومع ذلك تقيدت بما هو خير عام للنظام العالمي للبريد، فلو خطونا خطوة أخرى سياسية من هذا القبيل لتحقق هذا الأمل.