تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتطلب هذا المبدأ عدم اعتبار أي جنسية أو لون أو أي قومية في حسبان العمل خيرا أو شرا، فالظلم ظلم من غير نظر إلى من وقع منه أو من وقع عليه، والعدل عدل سواء صدر من أسود أو أبيض، وعومل به أسود أو أبيض، ويتطلب هذا النظر كسر الحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية، وتقويم المسائل بالنظر الواسع.

وكانت النصرانية والإسلام أقرب إلى النظر الثاني، فقد أهدرا الجنسية واللونية والقومية واللسان والدم، واعتبر الأساس وحدة العقيدة، فلا فرق أمامها بين أسود وأصفر وأبيض و«لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، وكسرا الحدود الجغرافية، فالمسلم - مثلا - يعد المملكة الإسلامية كلها وطنه، لا فرق بين حجازي وخراساني ومغربي وهندي

إنما المؤمنون إخوة ، والإسلام كسر الحدود بين الرجل والمرأة، وبين المولى وسيده؛ وفي الحروب الصليبية وقفت الكتلة المسلمة أمام الكتلة النصرانية مهدرتين الجنسية إلا ما كان من اعتبارات شخصية أو تنازع على الرياسة.

وكان اليونان والرومان أميل إلى النظر الأول، فاليوناني سيد، وغيره - مهما كان - عبد، حتى فلاسفتهم كأفلاطون وأرسطو نظروا هذا النظر، ورأوا أن الدم اليوناني سيد الدماء، والرومان رأوا جنسهم فوق الأجناس، فلما فتحوا فتوحهم نظروا إلى الشعوب المفتوحة نظرة ازدراء، فلم يدم ملكهم، وكان من أسباب انهياره اصطدام نظرة النصرانية الواسعة بنظرة الرومان الضيقة، ولكن أثرت نظرة اليونان والرومان القديمة أثرا كبيرا في نظرة أوربا الحديثة؛ لأنها وارثتهما، فحييت القومية، وتغلبت النزعة الوطنية، وبعثت نظرة اليونان والرومان أكثر مما بعثت النظرة المسيحية، وقلد الشرق الغرب من اليابان والصين إلى العالم الإسلامي، فأصبحت قومية عراقية وأخرى مصرية وثالثة شامية، وهكذا، طبقا لفرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا. •••

ولكن النزعة الإنسانية لم تمت، فظلت تعيش في عقول الفلاسفة وفي رءوس بعض الدعاة، وتتحرك في بعض الضمائر الحية، وتصطدم بالنزعة القومية، فيكون لهذا الاصطدام مظاهر، كالاختلاف في أمريكا: هل تنغمس في سياسة العالم وتصلح منه ما تستطيع وفقا للنظرة العالمية، أو تنفض يدها من سياسة العالم إلا بما يمس مصالحها الخاصة وفقا للنظرة القومية؟ وكالخلاف الناشب في أمريكا أيضا بين أنصار السود الذين يرون إهدار اللون وتحقيق العدل المطلق وفقا لمبدأ الإنسانية، وأنصار البيض الذين يرون القضاء على السود وفقا لمبدأ الجنسية، وكالخلاف بين كبار الساسة ممن يعطفون على الأمم المستعمرة ويرون حقها في البقاء وحقها في الاستقلال، وخصومهم الذين يرون عكس ذلك، وهكذا.

ولم تعدم كلتا النظرتين فلاسفة يتحمسون لها ويبدون محاسنها وعيوب الأخرى، فلم تعدم النظرة القومية من يقول: إن القومية هي التي أحيت الشعور وأظهرت التنافس بين الشعوب على أتم وجه، فكان من أثره التقدم العلمي والفني، والحب إذا تشعع وشمل العالم لم يكن له من القوة كما إذا تركز، كما لم تعدم النظرة الإنسانية من يؤيدها بما يحدث من الويلات الحاضرة التي جرتها القومية. •••

لقد كسر العلم الحدود بين الأمم، وألغى المسافات بين أجزاء العالم، وتبين كل جزء من العالم حاجته إلى كل أجزاء العالم، وأصبح من المستحيل أن تعيش أمة بنفسها ولنفسها، فوسائل النقل هي وسائل العالم، والراديو صوت للعالم، وخيرات العالم للعالم، وشرور العالم مصيبة العالم، المخترعات ملك العالم ونعمته أو شقاؤه، ومحصول الشرق لا يستغني عنه الغرب، وصناعة الغرب لا يستغني عنها الشرق، أفيمكن مع هذا كله أن تكون السياسة قومية فقط والأخلاق قومية فقط، أو يكون شأننا إذا شأن من يلبس ثوب طفل لرجل أو يقطع المسافة البعيدة بجمل، أو ينير القصر البديع بزيت، أو يواجه المدفع الرشاش بقوس؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٠٧