تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو في هزله، ولعبه بالنحو والاشتقاق، واستطراده الغريب وخياله الماجن البعيد، من أوائل الكتاب الهزليين في الأدب المصري الحديث، ثم تفقد بعض الحلقات، ويظهر بعد «أبو نضارة» في صحيفته، والشيخ حسن الآلاتي في كتابه «ترويح النفوس ومضحك العبوس» ثم عبد الله النديم في صحيفة «الأستاذ» ثم «حمارة منيتي»، ثم الكشكول، ثم آخر ساعة، فهي مدرسة كلها واحدة فكاهية متتابعة، خليقة بالدرس اللطيف، والبحث الطريف.

| الإنسانية والقومية

فكرة القومية أو الوطنية كانت أثرا من آثار الثورة الفرنسية، فقبلها لم تكن الدول معروفة على النحو الذي نعرفه الآن، ثم ثار العالم هذه الثورة، وكان من نتائج ثورته انقسامه إلى ممالك على النمط الحالي، وبثت في كل مملكة تعاليم الوطنية تدعو إلى الاحتفاظ بالوطن والتعلق به، وتوجيه كل النظم الاجتماعية والاقتصادية ونظم التربية لخدمته.

حتى أصبح من مميزات القرن التاسع عشر انتشار روح القومية واشتدادها وتجمعها حول المملكة، وتوجيه كل نظم الدولة نحو خدمة هذه النزعة الوطنية، وحل التعصب الوطني محل التعصب الديني الذي كان سائدا في القرن السابع عشر، فبعد أن كان أكبر الحماسة وأكثر مظاهر التعصب دينيا، وأشد النزاع دينيا، بين نصارى ومسلمين ويهود، وبين الفرق المختلفة من كل دين بعضها وبعض، أصبح أشد النزاع بين الأمم المختلفة ولو اتحدت دينا، كما هو المشاهد اليوم، فأكبر النزاع بين أمم متحدة دينا تقريبا، وأصبح النزاع بين الوطنية الإنجليزية والوطنية الألمانية، والوطنية الإيطالية والوطنية اليونانية إلخ.

وكان من أثر هذا أن أسست الأخلاق على نفس الأساس السياسي، فكما أن سياسة كل دولة ينبغي أن تخدم مصالح دولتها - أولا - كذلك أسست الأخلاق على مبدأ القومية، ينظر ساسة كل أمة إلى مصالح أفرادها، وفي مصالح مجموع الأفراد الذين يعيشون داخل حدود الدولة الجغرافية فقط، وكذلك الأخلاق لونت هذا اللون أيضا، فكانت أخلاقا قومية دعا إليها مكيافيلي وهوبز وأتباعهما، فعد السلوك فضيلة إذا أطاع الرجل فيه دولته وخدم أمته، بقطع النظر عن أثر هذا السلوك للأمم الأخرى.

والأخلاق القومية تساير السياسة القومية في جميع مراحلها، كلتاهما لا تنظر إلا إلى مصالح قومها، فقد تتنافى السياسة القومية مع العدل العام، فتدعو السياسة إلى اتباع السياسة القومية، وكذلك تدعو الأخلاق القومية، يتجلى هذا في معاملة الأمم بعضها لبعض، وفي معاملة الأمم المستعمرة للأمم المستعمرة، وعلى هذا الأساس وضعت النظم الاقتصادية لكل أمة، من حماية متاجرها ومصنوعاتها، وفرض الضرائب «الجمركية» وهكذا ، وعلى هذا الأساس وضعت سياسة الإغارة من دولة على دولة إذا شعرت بقوتها وشعرت بمصالحها الخاصة، من غير نظر إلى شعور الآخرين ومصالحهم، وكذلك أخلاق الأفراد في كل أمة لونت هذا اللون، فالعمل خير إذا مكن أمته من مصلحة عاجلة أو آجلة، وشر إذا أضاع على أمته مصلحة عاجلة أو آجلة.

وقد توجهت هذه النزعة القومية بالحرب العظمى الماضية، وبالحرب الأشد عظمة الحاضرة، فقد تجلت النزعة القومية على أتمها في السياسة والخلق على السواء، فسياسة كل أمة محاربة موجهة إلى مصلحتها وإضعاف عدوها بكل الأساليب الممكنة، وسلوك الأفراد موجه طوعا أو كرها لخدمة السياسة القومية. •••

وهناك نزعة أخرى مخالفة لهذه كل المخالفة، وهي النزعة الإنسانية لا القومية في السياسة وفي الخلق.

تدعو هذه النزعة إلى النظر إلى الأشياء نظرة واسعة، لا محدودة بحدود الأمة، ولكن بحدود العالم، فالعمل خير إذا زاد خيره عن شره للعالم، وشر إذ زاد شره عن خيره للعالم.

وجدت هذه النزعة قديما فقالوا: «الإنسان أخو الإنسان» إلخ، وأيدها بعض الفلاسفة أمثال «كانت» القائل: «لا تعامل إنسانا ما على أنه وسيلة، ولكن عامل كل إنسان على أنه غاية»، وبنتام القائل: «قدم أكبر خير لأكبر عدد».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٠٦