والكتاب بعد ذلك معجم غير مرتب في بيان مصطلحات الفلاحين في ملبسهم وأنواع مأكولاتهم، ومرافقتهم ومواويلهم، وكل ما يتصل بهم. •••
إن أخذ عليه شيء فهو هذا الفحش المنتشر فيه، والبذاءة في كل نواحيه، وأنه عرض لأمر الفلاح وبؤسه عرض الزاري الناقم، لا عرض العاطف الراحم، وكان أولى - وقد رأى هذا البؤس الذي هو فيه، والظلم الواقع عليه - أن يصرخ في وجه من ظلمه وأن يستغيث لإنقاذه مما هو فيه، وألا يزيد تعاسته بالزراية به، وألا يعيبه على ما وصل إليه اضطرارا، بل يعيب من أنزله هذه المنزلة الوضيعة اختيارا، فإن لم يستطع أن يصل ذلك لقسوة الزمان وظلم الحكام، فلا أقل من أن يلون صوره بالعطف الجميل على حاله، والرثاء الباكي لبؤسه وشقائه.
وأخشى أن تكون الخطوط التي رسمها «الشربيني» ليبين الفواصل بين حياة المدن في نعيمها ورخائها، وحياة الريف في بؤسه وشقائه، لا تزال حافظة لنسبتها إلى اليوم، وقد مضى منذ تصويرها ثلاثة قرون، بل أخشى أن تكون الفروق قد زادت، والفواصل قد تباعدت، فالمدنية الحديثة غزت المدن كثيرا ولم تغز الريف إلا قليلا، هذه الكهرباء تفتن أفانينها في المدن، والريف لما ينعم بماء نظيف؟ وهذه القصور الشامخة في المدن والحدائق الغناء، والشوارع النظيفة، والنساء السافرات، والكاسيات العاريات، ودور التعليم المختلفة الألوان، ودور الملاهي المتعددة الأشكال، إلى ما لا يحصى من ضروب الترف والنعيم، والفلاح في مأكله ومشربه ومسكنه ونظام حياته ونوع أحاديثه ومجال علمه وعلاقته بأرضه وأدوات زرعه، لم تختلف كثيرا عما كانت أيام الشربيني، بل أيام عمرو بن العاص، بل أيام رمسيس، بل أيام منا أومنيس، والأجيال المتعاقبة، وميزانيات الدول المتعاقبة، والحكومات المتعاقبة، أعجبتها المدن فزادت في الإنفاق عليها، ولم يعجبها الريف فضيقت عليه، وعيب «الشربيني» أنه رأى بؤس الفلاح تقع تبعته عليه، ولم يدرك أن بؤسه نتيجة عوامل اجتماعية كثيرة ليس هو مسئولا عن أكثرها، لقد رأى المصب ولم ير المنبع، ورأى النار تشتعل في البيت ولم ير من أشعلها، ورأى النتيجة ولم ير مقدماتها.
فأما ناحيته الفنية فالشربيني إذا جد فهو أديب واسع الاطلاع في الأدب، حافظ للشعر الكثير مستحضر له في مناسباته المختلفة، قارئ للكثير من الكتب الأدبية والتاريخية المجهولة، كانت في زمانه، عارف بكتب المحاضرات والمسامرات، مقتبس منها، محكم لوضعها في مواضعها، دارس لحالة الناس في عصره دراسة تفصيلية، ولا يستحيي أن يضرب مثلا بنفسه وبما حدث له، كما لا يستحيي أن يروي عن أمه لغزا في البرغوث، ولا عن الحشاشين أحاديثهم في مجالسهم، على الطريقة التي سلكها الجاحظ في كتبه؛ وإذا هزل ففنه في الهزل غريب حقا، قيم حقا، لولا فحشه وعريه، له خيال واسع في المجون، وقد هزأ النحو والصرف والاشتقاق بأسلوب جديد، ولأسق لك مثلا في هذا عند تصريفه لكلمة «أبو» فهو يقول: إنه «مشتق من آب إذا رجع، قال ابن زريق:
ما آب من سفر إلا وأزعجه
رأي إلى سفر بالرغم يجمعه
وكذلك الأب؛ لأنه كل ساعة يرجع إلى ولده ويفتقده وينظر إليه ... وقيل: إن «أبو» فعل ماض ناقص، وأصله «أبوس» ويدل على ذلك قول الشاعر:
قالوا حبيبك وارى ثغره صلفا
ماذا تحاول إن أبداه قلت: أبو
أي أبوس، وإنما حذفت السين لقصد حصول اللبس على السامع، إذ هو اللائق بهذا عند الأدباء، والأقرب إلى السلامة من الواشين والرقباء، وقيل: لأن السين في الجمل بستين والستون في البوس إسراف عند البعض إلخ.
ويقول في «مترد»: وهو إناء من فخار أحمر، وهو غالب أواني الريف، وأصله مركب من فعلين مات ورد؛ لأنه لما عمل أولا وكسر عملوا بدله فقالوا: مات ثم رد، ثم حذفوا الألف وجعلوها علما، وقيل: إنه في الأصل عمل بمدينة تسمى ما تريد التي ينسب إليها الشيخ الماتريدي نفعنا الله به، وهكذا.