إذا ركب الملوك على الجياد
وقد شدوا البنود على القصاد
ركبت قصيبتي ولبست مسحي
وسرت كسيرهم في كل وادي
فلا الأجناد تطلبني بمال
ولا الديوان يغلط في عدادي
ويقص علينا أن النصراني (وهو الصراف) إذا حضر القرية أو الكفر لأخذ المال، كثر الخوف والحبس والضرب لمن لم يقدر على الدفع، فمن الفلاحين من يقترض الدراهم بالربا، أو يبيع زرعه أوان طلوعه بما ينقص عن بيعه في ذلك الزمن، أو يبيع بهيمته التي يحلبها لعياله، أو يرهن مصاغ زوجته أو يبيعه كرها، وإن لم يجد شيئا أعطى ابنه رهينة حتى يدفع، وقد يحبس ويعذب حتى يدفع، وقد يهرب ليلا فلا يعود إلى بلده قط، ويترك أهله ووطنه وعياله من هم المال وضيق المعيشة، وروى لنا في ذلك أمثالا مشهورة عندهم نحو: «مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم» و«يوم السداد عيد» إلخ، ويصف لنا «السخرة والعونة» وصفا دقيقا، فالملتزم يأخذ القرية أو الكفر يزرعه على حسابه ويسمي هذا «زرع الوسية»، فإذا احتاج الأمر لتطهير الترع، أو حفر القنوات، أو نقل الطين، أو ضم الزرع، نادى الغفير: «يا فلاحين العونة يا بطالين» فيخرجون في صبيحة اليوم جميعهم ويعملون ما يؤمرون به من غير أجر، وثم نظام آخر: وهو أن يفرض على كل بيت عدد معين للعمل في العونة، فيقولون: يخرج من بيت فلان شخص، وبيت فلان شخصان، وهكذا، وفي كلتا الحالتين من تأخر أو تكاسل أخذه «المشد» وعاقبه وضربه وغرمه دراهم معلومة، ومن الناس من يختبئ في الفرن إذا نودي على العونة أو نحو ذلك.
وإذا نزل النصراني والمشد والملتزم بلدة فأكلهم وشربهم على الفلاحين يقسمونه عليهم، ويسمى «وجبة»، كل على حسب أرضه وقراريطه وأفدنته، وربما رهنت المرأة شيئا من «مصاغها» أو ملبوسها على دراهم، واشترت بها الدجاج لطعامهم، وربما حرمت أولادها الدجاج والسمن والدقيق وقدمته إلى هؤلاء، و«النصراني إذا نزل قرية لقبض مالها يحضر إليه الفلاحون، ويكرمونه ويرسلون له الوجبة، ويتذللون بين يديه، ويطيعون أمره ونهيه، بل يكون غالبهم في خدمته، وبعض الملتزمين يولي النصراني أمر القرية فيحكم فيها بالضرب والحبس وغير ذلك، فلا يأتيه الفلاح إلا وهو يرتعد من شدة الخوف».
وأما «الكاشف» فهو رئيس الإقليم، وإذا أقبل على بلدة يقرع له الطبل، فيخاف منه أهل البدع وأرباب المفاسد، ويأتي إليه مشايخها، ويقفون بين يديه في أشد ما يكون من الرعب والخوف، ويستخبرهم عن أحوالهم ثم بعد ذلك يسرعون له في الأكل والشرب والتقاديم على ما جرت به العادة، وإذا وقع في قرية فتنة أو خرج أهلها عن طاعة «أستاذهم» أو «قائم مقام القرية» هجم الكاشف عليهم بعساكره وأخرب القرية وقتل منهم من قتل، وقد يحصل منه ومن أتباعه نهب القرية، وتكليفهم في المأكل والمشرب فوق طاقتهم، وفي ذلك يقول أبو شادوف من قصيدته: «ومن نزلة الكشاف شابت عوارضي
وصار لقلبي لوعة ورجيف»
ويصور لنا أن أهل إقليمه ينقسمون قسمين: منهم من يتعصب لقبيلة سعد، ومنهم من يتعصب لقبيلة حرام،
2
فإذا ثار الشر تنادى قوم: «يا لسعد» وآخرون: «يا لحرام» فتهجم سعد وحرام على البلد، ويقع بينهم الحرب والعناد، وتخرب بسببهم البلاد، وتقطع الطريق على العدو والصديق، وفي ذلك يقول المؤلف في أرجوزته التي لخص فيها كتابه.
فذا يصيح يا لسعد أسعدوا
وآخر يا لحرام أنجدوا
فذانك اللفظان دون لبس
عندهم أمر بقتل النفس
فيخربون الأرض بالغارات
ويرصدون القتل في الطرقات
وإن أتتهم للقتال عسكر
فروا إلى جبالهم واستتروا
وفي الكتاب صورة لنظر الفلاحين والمصريين للمماليك والأمراء الأتراك وأتباعهم، فهي نظرة تعظيم وتبجيل وإعظام يبلغ حد التقديس، فهم يتطلعون إلى معيشتهم، وقصارى أملهم أن يقلدوهم في شيء من تصرفاتهم، فهذا فلاح ذهب يؤدي المال إلى الملتزم التركي، فرأى كيف يعيش وكيف يعامل زوجته، فلما عاد إلى بلده أراد أن يسلك مع زوجته «أم معيكة» سلوك الأمير مع زوجته الأميرة، فانتهت بكارثة، وهؤلاء ثلاثة من الفلاحين يريدون أن يزوروا مصر فقالوا: «إن مدينة مصر كلها جنادي وعسكر يقطعون الرءوس، ونحن فلاحون إن لم نعمل عملهم ونرطن معهم بالتركي وإلا قطعوا رءوسنا» وتعاقدوا فيما تعاقدوا عليه أن يتعلموا بعض الألفاظ التركية، ثم يدخلون الحمام، فإذا طالبهم صاحبه بالأجر صاحوا في وجهه بالكلمات التركية فأخلى سبيلهم، وإذا رجعوا إلى بلدهم رطنوا بالتركي فخافهم مشايخ الكفر وأجلوهم وأعظموهم - إلى كثير من أمثال ذلك من الصور البديعة.