كما أرجو أن تسفر هذه الحرب عن انتصار الديمقراطية الصادقة، ويكون من نتائجها أن يتعمق الشرقي في معناها، وأن يوسع الغربي مداها، وأن يطبق الجميع ما تدعو إليه من إخاء.
بل أن يتخذ كل من اليوم عدته، ويرسم للغد خطته، وأن نتصارح، فالصراحة خير للجميع.
| دمية في دمنة1
الشيخ يوسف الشربيني أديب مغمور، لم أر من ترجم له، احتقارا لشأنه، وازدراء بتآليفه؛ لأنها تآليف شعبية، وليست تآليف أرستقراطية - وقديما غبن الأدباء الأدب الشعبي - ولأنه كذلك ماجن إلى أقصى حدود المجانة، لا يتحرج من استعمال كلمات الفحش عارية صريحة في غير كناية ولا إيماء، ولا يخضع لمواضعات الناس في الوقار والاحتشام، وإذا تزاحم في فكره كلمتان إحداهما مؤدبة والأخرى داعرة، اختار الثانية وهجر الأولى عن قصد وتعمد، فالقارئ المهذب يشمئز من قراءتها ويكره عري كلماتها وفحش تعبيراتها، ولكنها مع ذلك تحوي صورا جميلة، وترسم أشكالا بديعة قد تعجز الكتب الأرستقراطية عن رسمها وتصويرها.
بين أيدينا من كتبه كتاب اسمه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف»، وقد ذكر في أثناء الكتاب أنه ألف كتبا أخرى، ولكني لم أرها.
ويدل هذا الكتاب على أن المؤلف من بلدة «شربين» وأنه طلب العلم بالأزهر، وحضر على أستاذه الشيخ القليوبي الذي كان عالما جليلا كثير التأليف، ومات سنة 1069ه، وأنه ألف هذا الكتاب بإشارة من الشيخ السندوبي، وكان من أكابر علماء الأزهر وأدبائه ومؤلفيه، ومات سنة 1097ه.
فصاحبنا إذا عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وقد حدثنا أنه حج سنة 1074ه ولم يتحرج من أن يذكر عن نفسه أنه كان متهتكا يحب الغلمان ويتتبعهم، ولست أدري أكان ذلك حقيقة يذكرها أم مزاحا يمزحه.
أما الصورة الحسناء التي يستطيع القارئ أن يخرج بها من هذه الدمن، فهي وصف الفلاحين وبؤسهم في القرن الحادي عشر.
قصيدة أبي شادوف هذه قصيدة عامية، لست أدري من نظمها، ولعله هو ناظمها، وموضوعها فقر الفلاح وتعاسته، فجاء الشربيني هذا وشرحها في جزء كبير يقع في نحو 230 صفحة كبيرة شرحا هزليا استطراديا، فلا تأتي كلمة حتى يتلاعب بها ويهزئ نحوها وصرفها واشتقاقها، وفي أثناء ذلك يذكر معلومات تاريخية طريفة تصور في جملتها الصورة التي أشرنا إليها.
يصف الفلاح وبؤسه، وطول معاشرته للبهائم، وحمله للطين والسماد، وملازمته للمحراث والجرافة، ودورانه حول الزرع والجرن، وجهله إلا بما يتصل بزراعته، كالساقية والليف والحزام والنبوت، وقد نشأ عن هذا كله غلظ في ذوقه، فأفراحه وأعراسه ليست إلا صراخا وصياحا، وورده عند الأسحار ليس إلا التفكير في الغنم والأبقار، و«حط العلف وهات الكلف»، وأسماؤهم دالة على ذوقهم، فجنيجل وجليجل، وزعيط ومعيط، وأسماء نسائهم شباره وشراره، وعليوه وحليوه، وخطيطه وعويطه، وأولادهم مكشوفو الرأس، غارقون في الأدناس، وفقهاؤهم جهل مركب وخلط في الدين، وقلة عقل، وأدبهم وأشعارهم وقصصهم من نوع سخيف، ونظم خسيس، وتشابيه باردة، وخرافات باطلة.
وقد أطال في كل باب من هذه الأبواب، وذكر الشواهد والقصص والأمثال بإسهاب.
والكتاب خصب جدا من الناحية الاجتماعية في هذا العصر، فهو يصور لنا الفلاحين السذج، وكيف يستغفلون إذا دخلوا القاهرة، وكيف ينظرون إلى مشاهدها ومرافقها نظرة بلهاء، وكيف يفسرونها تفسيرا مضحكا، ويقارن بين حياة المدن وحياة الريف، وعلم المدن وجهل الريف، وذوق المدن وذوق الريف، في المأكل والمشرب والملبس وما إلى ذلك.
ويصور لنا تصويرا رائعا بؤس الفلاح عند تحصيل الأموال الأميرية، فهذه مشكلة المشاكل ومصيبة المصائب، فيقول: إنه - دائما - معرض للهلاك من ضرب وحبس وفقدان لذة الأكل والشراب، وهو دائم التفكير في المال الذي عليه آناء الليل وأطراف النهار، والمؤلف يحمد الله على أنه ليس له أرض، ولا يشتغل بالفلاحة، ويتمثل بقول البهلول: