فمثلا بين يدي الآن «الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيتمي، وهو إمام مشهور مصري الأصل والمنشأ، وعاش بعض زمنه الأخير في مكة، وكان في القرن العاشر الهجري، فقد ولد في محلة أبي الهيتم من أعمال الغربية سنة 909ه، ودرس في الأزهر، ورجع الناس إليه في الفتوى، ومنذ سنة 940 استقر في مكة وأقام بها إلى أن توفي سنة 974، واشتهر اسمه في العالم الإسلامي، واستفتي من جميع الأقطار.
تقرأ هذه الفتاوى فتجد فيها صورا مختلفة تتبين منها جانبا من الحياة العقلية للمسلمين في هذا القرن.
فهذه صورة ترينا أن العالم الإسلامي إذ ذاك كان مضطربا بين حركتين متناقضتين في شأن التصوف وما إليه: إحداهما الحركة التي قام بها ابن تيمية المتوفى سنة 728 يطعن فيها على ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والغزالي وغيرهم من المتصوفة، ويدعو إلى الرجوع للكتاب والسنة، وترك البدع كالتوسل بالأولياء وزيارة القبور وغير ذلك. والأخرى حركة تؤمن بالصوفية وكراماتهم وشطحاتهم إلى أقصى حد.
وقد كانت هاتان الحركتان عنيفتين في عهد ابن تيمية، وكان من جرائهما اضطهاده وسجنه إلى أن مات، فالتف حوله علماء يؤيدونه وعلماء يكفرونه ويناهضونه؛ وانتقلت هاتان الحركتان إلى القرن العاشر الذي تصوره هذه الفتاوى.
وإذ كان ابن حجر هذا فقيها شافعيا محدثا متصوفا، فقد أيد الصوفية وآمن بكل شيء يدعون إليه، وهاجم ابن تيمية في عنف، وادعى أنه لا يقام لكلامه وزن، وأنه مبتدع ضال مضل جاهل غال، وأفاض في مدح الصوفية الذين هاجمهم ابن تيمية، كابن عربي وابن الفارض والغزالي.
وليس يدل هذا القول على رأي ابن حجر وحده، بل يدل على اتجاه العقلية نحو الحركة التي تؤيد الصوفية وخفوت صوت المعارضين؛ لأن كثيرا من أهل هذا العصر ناصر ابن حجر كما حكى هو، وانضموا إلى الشعب في الانتصار للصوفية بجميع مظاهرها، وقد قص علينا ابن حجر نفسه في هذه الفتاوى أن العالم - في زمنه - إذا اعتقد في التصوف والمتصوفة أقبل الناس عليه وعلى كتبه وتبركوا به، كالشيخ زكريا الأنصاري، أما إن أنكر على الصوفية شيئا من أقوالهم صد الناس عنه ولم ينتفعوا بعلمه، كالشيخ البقاعي، فقد كان عالما جليلا، وكان نابغة في حسن العبارة وقوة الذكاء وسعة العلم، وخاصة التفسير والحديث، وألف في تفسير القرآن وفي مناسباته كتبا - قال ابن حجر عنها: إنها لو كانت للشيخ زكريا لكتبت بماء الذهب، ولكن البقاعي كان يعترض على ابن عربي ويفند بعض أقواله، ويؤلف الكتب في نقده، ويرى في ابن الفارض أنه شاعر جيد، ولكنه متصوف غير جيد، وأنكر على الغزالي قوله: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» فهاج عليه العامة، ثم حكم بتكفيره وإهدار دمه، وكاد يتم ذلك لولا تدخل بعض الأمراء في أمره فاستتيب وجدد إسلامه، ودخل عليه بعض أهل العلم فوجده وحده، فما زال يضربه بنعله على رأسه حتى أشرف على التلف، وقام العلماء يؤلفون الكتب في الرد عليه والذب عن الغزالي، وأصيب بضيق التنفس فاعتقدوا أن هذا سر ابن الفارض.
ويرسم الكتاب صورة الاندفاع وراء الاعتقاد بالمغيبات والكرامات والشطحات والجن، وهي صورة تبعث على الشفقة والأسى على ما وصلت إليه العقلية في هذا العصر. •••
ويصور لنا ابن حجر الجدال حول تعليم البنت الكتابة والقراءة، فيستفتى في ذلك، فيفتي بأنها تعلم العلم، ولكن لا تعلم الكتابة، ويروي حديثا أن لقمان مر على جارية تعلم فقال: «لمن يصقل هذا السيف؟» أي أنها تعلم الكتابة لتذبح بها، ويقول: إن المرأة إذا تعلمتها توصلت بها إلى أغراض فاسدة؛ لأنها تبلغ بها في أغراضها ما لم تبلغه برسولها؛ فلأجل ذلك صارت المرأة بعد الكتابة كالسيف الصقيل الذي لا يمر على شيء إلا قطعه، ثم قال: واعلم أن النهي عن تعليم النساء الكتابة لا ينافي طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب؛ لأن في هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد منها، بخلاف الكتابة.