تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا النظام الذي أدعو إليه وحده هو الذي يفسح الطريق أمام القادرين على العمل، ويخلق التنافس في الإجادة، ويبعث على التسابق إلى المجد، أما نظام الأقدمية وأشباهها فمدعاة للكسل، وانتظار الزمن في جمود لإثبات الأحقية بالأقدمية، وانتشار الخمول الذي نشاهده ونشعر به ونلمسه في كل تصرف، ثم قتل الكفايات، والقضاء على الزهرة الجميلة قبل أن تتفتح، والمكافأة على الضعف وعدم الاكثراث، بحكم الأقدمية.

هناك نظام عادل ونظام ظالم في كلمة، أما النظام العادل فالمكافأة بمقدار الصلاحية والإنتاج، وأما النظام الظالم فالمكافأة بالأقدمية أو المحسوبية أو القرابة أو الحزبية، أما النظام العادل فتقدير الشيء من حيث هو ومن غير خلط بين الرحمة والاستحقاق، وأما النظام الظالم فتقدير الشيء لاعتبارات لا ترجع إلى العمل، والخلط الفاسد بين الرحمة والاستحقاق.

أما النظام العادل فكتربية الأولاد على أساس المصلحة فقط، وأما النظام الظالم فكإضاعة المصلحة لداعي الشفقة.

وجه الحق في هذا الكلام واضح جلي، ولكن تنفيذه في منتهى الصعوبة، وكثير من الناس يؤمن بهذا المبدأ، ولكن يحمله على العدول عنه فساد الميزان في يد أولي الأمر وعدم قدرتهم على الحكم الصحيح، فإذا قرر مبدأ المكافأة للكفاية وحدها فكم يرتكب من الجرائم للمحسوبية والحزبية تحت ستار اسم الكفاية.

فهذا الميزان الذي أدعو إليه إنما يصلح في يد القدير الحازم النزيه، وإلا انقلب إلى ضده وساد الفساد وعمت الفوضى، فهيئ الرجال القادرين على استعمال الميزان الصحيح، ثم ضعه في أيديهم، وإلا كان أسوأ من الميزان الفاسد. •••

هذه هي بعض النواحي العقلية في فهم «العدالة»، أما الناحية الشعورية فهي تعليم الشعب إرهاف الشعور نحوها، والغيرة عليها غيرة البدو على أعراضهم، والصرخة تخرج من أعماق القلب لظلم يحدث وعدالة تنتهك، والثورة على الظالمين حتى لا يعودوا إلى مثل ظلمهم، وتكون رأي عام يحمي العدالة ويقدسها تقديس عبادة في كل مكان: في القرية، فلا يستطيع عمدة أن يظلم؛ لأن الرأي العام للفلاحين يحتقره لظلمه ويهينه لجوره، ويصرخ في وجهه لانحرافه عن العدالة، وفي المركز، فلا يستطيع مأمور أن يظلم؛ لأنه لا يستطيع بعد ظلمه أن يبقى في مركزه لقوة الرأي العام في دائرته، وفي الأمة كلها، فالحكومة تحسب ألف حساب للرأي العام، فيسقطها إذا ظلمت، ويؤيدها إذا عدلت، ويقوم الأحزاب فيها بمقدار حبهم للعدالة.

إذ ذاك - وإذ ذاك فقط - تسير الآلة الحكومية في إدارتها وفي قضاتها وفي كل مرفق من مرافقها نحو العدل، والعدل دائما، لخوفها من الرأي العام، وشعورها التام بأن كل عضو من أعضائها وأنها في جملتها مرتكزة في بقائها على «العدالة»، والعدالة وحدها.

| مصدر تاريخي مهمل

هناك مصدر هام من مصادر التاريخ الإسلامي لم أر إلى الآن من اتجه إليه واستفاد منه مع ما فيه من غنى وثروة، وتظهر أهميته إذا عرفنا أنه يلقي ضوءا قويا على الحياة الاجتماعية في العصر الذي يعرض له، وهذا هو الجانب الضعيف في كتب التاريخ عندنا، فأهم نقطة ترتكز عليها هذه الكتب هي الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء، أما الشعب نفسه فلسنا نعرف حالته إلا من ثنايا الكلام ومما يذكر عرضا لا قصدا، فإذا كان هذا المصدر الذي أشير إليه يعنى بشرح الحالة الاجتماعية للعصر، فلا شك أنه يكون مصدرا لا يصح إغفاله، وتجب العناية به.

تلك هي «كتب الفتاوى في الفقه»، وما أكثرها، ووجه أهميتها أن مؤلفها - عادة - يكون من أكبر رجال عصره علما وفقها ومركزا، حتى تتجه إليه الأنظار بحكم مركزه العلمي أو منصبه الرسمي، فإذا حدثت أحداث تنازع فيها الناس - وخاصة الأحداث العظام - هرع الناس إليه يستفتونه، وليسوا يقتصرون في مسائل الاستفتاء على المسائل الفقهية بأضيق معانيها، بل على المسائل الاجتماعية بأوسع معانيها، فيكون لنا من هذه الأحداث وشرحها وبيان أسبابها ورأي العلماء فيها صورة بديعة لعقلية الناس في ذلك العصر، ولأسق لذلك مثلا يوضح الفكرة:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٩٨