تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستفتى في كلمة «الأشراف»: من هم؟ وما تاريخ عمامتهم الخضراء؟ فيذكر أن اسم الشريف كان يطلق في الصدر الأول على من كان من أهل البيت ولو كان عباسيا أو عقيليا،

1

ومنه قول المؤرخين: الشريف العباسي والشريف الزينبي،

2

فلما ولي الفاطميون مصر قصروا الشرف على ذرية الحسن والحسين فقط، واستمر هذا إلى الآن، وأما العمامة الخضراء فلا أصل لها، وإنما حدثت سنة 773 هجرية بأمر الملك شعبان بن حسن، وفي ذلك يقول ابن جابر:

نور النبوة في وسيم وجوههم

يغني الشريف عن الطراز الأخضر

فإذا كانت هذه العمامة الخضراء حادثة، فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره. •••

والفتاوى تدل على انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الشعب وكثرتها كثرة مفرطة، وتناولها أدق الأشياء في المأكل والملبس والزواج والطب وما إلى ذلك، وسيطرتها على عقول الناس وسلوكهم، والخاصة يهرعون إلى المفتين يستفتونهم في شأنها، فبدلا من أن ينكروها ويبددوها، يجتهدون في الكثير منها أن يجدوا له مخرجا، فيقولون: رواها فلان في كتابه وفلان في مسنده، ولا يقرون بضعف الضعيف ووضع الموضوع إلا في القليل النادر، ويتركونها تأكل عقول الناس وتشعوذ سلوكهم. •••

ثم من غريب أمر هؤلاء المفتين من الفقهاء والمحدثين في ذلك العصر أنهم لا يؤمنون بأن هناك علوما وراء علومهم، ولا تخصصا وراء تخصصهم، ويؤمنون بأن الفقه والحديث كافيان وحدهما للإجابة عن كل سؤال، سواء اتصل بالتاريخ القديم أو بالطب أو بالفلك أو طبقات الأرض أو ما شئت من العلوم، فإذا سئل المفتي عن شيء من ذلك فما عليه إلا أن يقلب كتبه ليعثر على حديث ضعيف أو قول شيخ قديم، فيكون هو الجواب، وهو الصواب، وهو كل الحق، فالشيخ ابن حجر يسأل عن السواد الذي في القمر، فيجيب بأن عليا - كرم الله وجهه - سئل عن ذلك فقال: هو أثر مسح جناح جبريل؛ لأن الله خلق نور القمر سبعين جزءا كنور الشمس، فمسحه جبريل بجناحه فمحا منه تسعة وستين جزءا حولها إلى الشمس، فأذهب منه الضوء وأبقى فيه النور، فذلك قوله تعالى:

فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة .

ويفتي بأن القمر يقطع الفلك في شهر والشمس لا تقطعه إلا في اثني عشر شهرا.

ويفتي في المطعومات وما يناسب منها وما لا يناسب، ويفتي في مقدار المدة بين الأنبياء، وفي عدد زوجات سليمان وسرياته إلخ، مما يدل على أن هؤلاء المفتين لا يحترمون للعلم اختصاصه. •••

ثم كان الناس فارغين يبحثون في أوهام ويتساءلون عما لا يمكن العلم أن يصل إليه، ويتجادلون في فروض، ويضيعون أوقاتهم فيما لا ينبني عليه في الحياة عمل، وهم يتساءلون: هل يجوز زواج الجن؟ وهل يروى عنهم الحديث؟ وهل خلقت الملائكة دفعة واحدة أو على دفعات؟ وهل الجن تتشكل كالملائكة؟ وهل الجن يموتون؟ وهل كان إبليس عارفا بالله ثم سلب منه ذلك؟ وهل يدخل مؤمنو الجن الجنة؟ وهل الأفضل المشرق أو المغرب؟ وهل تصح الصلاة خلف الجن؟ وهل أذن للأنبياء أن يخرجوا من قبورهم ويتصرفوا في الملكوت؟ إلخ.

تلك تصورات فاشية بين المسلمين في القرن العاشر، لم يجدوا في الحياة جدا فهزلوا، ولم يجدوا من ينير عقولهم فسخفوا، وما زلنا إلى الآن نرث تركتهم المثقلة بالديون، ويعاني المصلحون أشد العناء في محو هذه الأوزار وإزالة هذه الآثار. •••

هذه بعض صور لما عثرت عليه في هذه الفتاوى، وقبل ذلك قرأت في «فتاوى ابن تيمية» فوجدت فيها من الفوائد التاريخية ما لم أجده في كتب التاريخ نفسها.

أفلست ترى - بعد ذلك - أن هذه الفتاوى مصدر تاريخي هام لتأريخ الحياة الاجتماعية في العصور المختلفة في العصور المختلفة، وأن المؤرخين لم ينصفوا في إهمالها؟

| الديمقراطية الأرستقراطية

أليس عجيبا هذا الوصف؟

إنه كما تصف الحلو بالمر، والأبيض بالأسود، والطويل بالقصير، والكبير بالصغير - وإن هذا لا يجوز إلا في عرف المجانين.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٠٠