وخطأ آخر غريب في فهم معنى العدالة يكثر الوقوع فيه، وله أمثلة أخرى: (1)
تكون رئيس مصلحة أو مشرفا على عمل، فيقدم إليك أحد الموظفين في «مصلحتك» خدمة شخصية لك في إصلاح أرضك أو الإشراف على بناء بيتك أو نحو ذلك، فتكون مكافأته منك الترقية في «المصلحة» قبل أقرانه، أو علاوة استثنائية قبل أوانها. (2)
لك صلة شخصية برجل يجالسك ويلاعبك أو يضحكك أو يتولى لك بعض شئونك، أو يهاديك أو يقرظك ويشيد بذكرك، فتبذل جاهك في تعيينه أو ترقيته من غير نظر إلى كفايته أو أحقيته.
هذا الخطأ في فهم العدالة منشؤه الخلط بين النظر الشخصي والنظر للأمة، وملك الشخص وملك الأمة.
معروف يسدى إلى شخصك فتبخل أن تكافئه مما تملك، ثم تكافئه بما تملك الأمة، فيكون الغنم لك والغرم على الأمة، هو ضرب مستور من الرشوة، إذ لا فرق بين هذا وبين قاض يأخذ الرشوة ويحكم حكما ظالما على حساب الأمة، فينتفع هو ويتضرر الناس، بل هذا في نظري أخطر من رشوة القاضي؛ لأن الرأي العام في الشرق تكون على احتقار القاضي المرتشي، وعد الرشوة جريمة منكرة - ولما يتكون بعد لاحتقار الرشوة من هذا الضرب الذي ذكرت، وكل يوم يرى منه صنوفا وألوانا من غير أن يظهر استياؤه ظهورا كافيا.
إذا - نحن في حاجة قصوى إلى التفرقة أيضا تفرقة تامة بين ما يعمل لشخصك وما يعمل للأمة، فما يعمل لشخصك يجب أن تكون المكافأة عليه من مالك، وما يعمل للأمة يكافأ عليه من الأمة من غير خلط ولا اشتباك.
وهذا الضرب يحتاج من ذي الضمير الحي إلى عناية شديدة ومراقبة للنفس دقيقة، فإنه يلبس فيه على النفس، ويدخل فيه الوهم، فيخيل للشخص أن فلانا أكفأ وأحق وذو صفات ممتازة، ولو حاسب نفسه حسابا شديدا لرأى أن حكمه هذا راجع إلى منفعة شخصية كسبها منه أو ملق تملقه به، أو نحو ذلك من مسارب النفس الخفية التي لا ينجو من شباكها إلا الراسخون في العلم، وقليل ما هم.
قرأت مرة أن وزير مالية في دولة أوربية عرف بالنزاهة التامة وتحري العدالة، عرض عليه أمر يتصل بشركة ولها من ورائه ربح، فتردد في إمضائه، إذ لم يتبين فيه النفع لأمته، ولكنه كان مغرما بلعب الورق فدست إليه الشركة من يلاعبه، فلاعبه وخسر له مبلغا كبيرا، ثم بعثت إليه الشركة هذا اللاعب الخاسر يوضح له مسألة الشركة ويبين له فيها وجه النفع للأمة، فدعا بالورق وأمضاه وهو يكذب نفسه ويظن أنه اقتنع بعدالة المطلب، وإنما الذي أقنعه في الحقيقة مكسبه في اللعب. •••
وخطأ ثالث يتجلى أكثر ما يكون في وظائف الحكومة وأمثالها، وهو إهدار الكفاية وحسن الإنتاج، لمراعاة الأقدمية أو نحوها.
ويتجلى هذا الخطأ إذا راعيت أن الآلة الحكومية ليست إلا صورة مكبرة لمصنع أو شركة، فواضح أن المصنع أو الشركة إنما تضع أجور عمالها أو موظفيها على حسب مقدرة كل على الإنتاج وقيمة العمل الذي يقوم به للمصنع أو الشركة، وبعبارة أخرى غرم الشركة أو المصنع يتناسب تمام المناسبة مع غنمها من العامل، فمن لم يعمل لا يأكل، ومن عمل أكل بمقدار ما عمل، سواء كان هذا الموظف جديدا أو قديما، وشابا أو مسنا، فلا بأس أن يكون الجديد والشاب رئيس القديم المسن، لأن الأجرة غير الصدقة، قد يراعى في الصدقة السن والقدم وكبر الأسرة والعجز ونحو ذلك، أما الأجرة فهي نظير عمل ونظير كفاية، مثلها مثل أجرة البيت وأجرة كل شيء، تتناسب مع الشيء المؤجر في جودته أو رداءته، وصلاحيته وعدم صلاحيته، وجماله وقبحه، ثم لا يراعى بعد ذلك أي اعتبار آخر خارج عن الانتفاع بالشيء المؤجر.
فأي نظام لحكومة أو بنك أو شركة يراعى فيه أي اعتبار غير الكفاية والمقدرة وخدمة المصلحة المكلف بها نظام فاسد، ونظام ظالم، ونظام خلط فيه بين الرحمة والعدل، وبين الصدقة والأجر، وبين معهد الإنتاج ومأوى المساكين.