تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا فكر وقدر، ثم فكر وقدر، ثم أراد وعمل، فكان له بعض ما أراد، ولولا أنه سمح لمخلوقة أن تدخل باب أعماله اسمها «المجاملة»، ولولا أنه لم يحكم التجريد بين نفسه وعمله، ولولا أن بعضهم استباح لنفسه من الأموال المصرية ما لم يستبحه من الأموال الأجنبية، لكان له أكثر ما أراد - ومع هذا فأي عظيم لم تكن له هنات؟!

لقد ترك مصر ولها مؤسسات مصرية تعتز بها، ولها آمال اقتصادية مرسومة محدودة تسعى لاستكمالها، وترك الشرق العربي كله له أمل كأمل مصر، وسعي في سبيل الاستقلال الاقتصادي كسعي مصر، وخلق عند هؤلاء وهؤلاء شعورا حساسا بالوطنية المالية، وفكرا مفتوحا للحالة الاقتصادية، وإدراكا صحيحا للأهمية التجارية والصناعية. •••

رحمهم الله جميعا، فقد كان كل عظيما في ناحيته، نافذ النظر إلى زاويته، وأكثر الله من أمثالهم، فالزمان شحيح في السماح بهم، وصدق الشاعر:

بغاث الطير أكثرها فراخا

وأم الصقر مقلات نزور

| العدالة

ينقص الشرق الآن في «العدالة» شيئان: الأول عقلي، وهو الفهم الصحيح لمعناها، والثاني شعوري وهو إجلالها وتقديسها.

ولست أقصد هنا العدل الفردي، كأن يكون عليك دين فالعدل يقضي أن تؤديه والظلم أن تنكره، ونحو ذلك؛ فهذا شيء ساذج وصل الناس إلى فهمه من قديم، وقدسوه من الأزل، وإن غمض منه شيء فتقدم القانون حل أكثر غموضه، وأوضح أكثر تعقيده.

وإنما أريد العدل الاجتماعي والتصرفات التي لها أثر مباشر في حياتنا الاجتماعية، وأهم خطأ نرتكبه في هذا الباب أننا لا ننظر إلى أثر العمل في الأمة، حيث يجب أن ننظر إليها، وننظر إلى الأفراد حيث يجب أن لا ننظر إليهم، ولأضرب لذلك أمثلة قليلة بما يحدث كل يوم: (1)

هذا شخص يعين في عمله؛ لأنه قريب لعظيم، ويترك من هو أكفأ منه لأنه لا قريب له، أو لأنه من حزب الحكومة والأكفأ من الحزب المعارض. (2)

وهذا شخص يستبقى في عمله مع عدم صلاحيته لمرضه، ولا يستغنى عنه ويحل محله الصالح للعمل؛ لأن هذا المريض خدم المصلحة مدة طويلة، أو لأن له أسرة كبيرة ولا عائل لها غيره.

والأمثلة في هذا الباب كثيرة، والخطأ فيها ناشئ من النظر للأفراد، والواجب أن ينظر للأمة، فهذا الذي عين لقرابته أو لحزبيته أساء إلى الأمة أكثر مما أفادها، فقد حرمها عمل من هو أكفأ منه من جهة، ومن جهة أخرى كان في تعيينه إفساد لمعنى العدالة في عقول الناس، وإشعار للأكفاء بأن كفاياتهم ونبوغهم وتفوقهم كل هذا لا يساوي شيئا بجانب القرابة أو النسب أو الحزبية، وضرر هذا على الأمة كبير، إذ يجعلها تقوم ما لا يستحق التقويم، وتهدر ما يستحق الإعزاز، تهدر الكفاية وتعزز المحسوبية، وفي ذلك قلب للعدالة وإفساد لصحة التقويم، وحمل الأكفاء على العدول عن إثبات كفايتهم بعملهم - وهو الطريق المشروع - إلى البحث عن وجيه أو قريب أو حزب، يتقربون إليه من طريق الملق لا من طريق العمل، وحسبك هذا من إفساد للخلق.

وهذا الذي استبقي مع مرضه لخدمته السابقة أو لأسرته الكبيرة، لو نظر فيه إلى الأمة لم يستبق، إذ كيف يعهد إليه بالتدريس - مثلا - وهو مريض، أو بالقضاء بين الناس وهو غير قادر، أو نحو ذلك من الأعمال؟ وكيف ينظر إلى شخصه أو أسرته، ولا ينظر إلى من يتعدى إليهم عمله من التلاميذ أو المتقاضين، وكيف يخلط بين أجر يتقاضاه في مقابل عمل، وبين صدقة يراد أن تجرى عليه في معهد عمل لا في مكان إحسان؟!

إن الأمة إذا عقلت أنشأت معاهد الإحسان بجانب معاهد العمل ولم تخلط بينهما، فلم تبق في العمل إلا من صلح للعمل، فإذا لم يصلح فمكانه معاهد الإحسان، وبذلك نوفق بين مصالح الناس ومصالح المرضى والمستضعفين، فإذا لم نستطع فلنضح الأفراد لمصلحة المجموع.

فالتفرقة يجب أن تكون تامة بين إحسان يعطى لنوع من أنواع الضعف كالفقر والمرض، وبين أجرة تعطى في مقابل نوع من أنواع القوة كعمل أو تفكير أو إدارة. أما الخلط بينهما في السلوك فخلط في التفكير. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٩٦