كذلك كان سعيه، وكذلك كانت أمته، بصر من قومه فعرف مواضع ضعفهم وقوتهم، وعرف كيف يعالج الضعف ويزيد القوة، وبصر بأساليب الاستعمار فعرف كيف يصابرها ويجابهها، وأوتي من فن الخطابة معجزته، ومن اللسن سحره، فما خطب إلا ألهب ولا جادل إلا غلب، ولو كانت قضية الاستقلال يقضى فيها بالمنطق والحق لكسبها في يومه، ولكن الاستعمار لا يسمع للمنطق، وإنما يسمع للقوة، فلتكن قوة الأمة في وحدتها وفي إجماعها وفي حماستها، وفي شل حركة خصمها، وفي التشهير به، وفي الاحتجاج عليه، وفي تغذية هذه الحركات في كل حين، وفي كل مناسبة، وفي خلق المناسبة، فكان كذلك، يغذي الصحف بآرائه، ويغذي الأسماع بخطبه، ويلهب النفوس ببيانه، وينقض تدبير الخصم بإحكام تدبيره، ويطلع كل حين بجديد، ولولا منافذ ضيقة خفية دخل منها الخصم فأفسد بعض الحركة، وشوه منظر الإجماع، لكان له في حياته ما أراد لقومه، ولو استعرضت حال الأمة حين تسلمها وحين سلمها لرأيت كيف كان عظيما في نفسه، عظيما في أثره.
لقد غنى تاغور وغنى سعد، فكان لكل صوته، ولكل نغمته، فأما صوت تاغور فهادئ وديع، يسمعه الرحيم فيذرف من العين دمعة، ويسمعه العاشق فيقبل الطفل في مهده، ويتبسم للبستان لزهره، ويقبل الجمال حيث كان، ويسمعه المتدين فيسجد للطبيعة وبهائها وسحرها وفتنتها، ويسمعه الظلمة فيسخرون، والقساة فيستهزئون، وأما صوت سعد، فيدوي كالرعد، يسمعه المظلوم فيثور، والظالم فيغضب، ويهيج وينقم، فإذا صراع عنيف بين المظلوم والظالم، ومعركة حامية بين المسلوب والسالب، صوت تاغور يؤثر ولكن كالماء في الصخر، وصوت سعد يؤثر ولكن كالريح العاتية في الأشجار الخاوية، ولكل فضل. •••
وأما طلعت حرب فغض نظره عن السماء ونجومها، والبحار وأمواجها، والأزهار وجمالها، كما لوى وجهه عن السياسة ونارها، وحدق في الذهب والفضة والأوراق المالية، وسال لعابه لها حتى كاد يلتهمها، ولكن لم ينظر إليها لنفسه كما فعل غيره، وإلا ما كان عظيما ولا زعيما، إنما أدرك قيمتها لقومه، فسعى لها سعيه، وأنفق في ذلك عمره، رأى المال عصب الحياة، فأيقن أنه إذا قويت الأعصاب قويت الحياة.
قد كان سعد يرى الاستقلال كل شيء، فإذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان المال، وكان «طلعت» يرى المال كل شيء، فإذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان الاستقلال، فكان لكل سيرته، ولكل وجهة هو موليها، رأى «طلعت» أن كل مرض اجتماعي علاجه المال، فعلاج الفقر المال، وعلاج الجريمة المال، وعلاج البطالة المال، وعلاج الجهل المال، وعلاج الاستعباد المال، فكأن المال هو السحر الحال، ما يمس من مرض إلا كان فيه الشفاء، إن الفلاح بائس لفقره ومريض لفقره وجاهل لفقره ومجرم لفقره، والعاطل عاطل لفقره أو فقر بلده، فلا مشروعات ولا جمعيات ولا نقابات ولا شركات، ومن كان في يده المال ولم يعرف كيف يستخدمه كان ماله والفقر سواء، والأجانب يحتلوننا بالمال والعمل أكثر مما يحتلوننا بالسيف والسياسة، وأمة واحدة تحتلنا سياسيا، وكل الأمم تحتلنا ماليا، ولا ينفع استقلال من غير مال، كما لا ينفع السيف ولا قتال، فلتستقل مصر أول كل شيء بمالها، بإنشاء بنكها، وليعمل المصريون في كل أنواع النتاج المصرية حتى السمك والأصداف، ولتمتد اليد المصرية حتى تقلب الأرض وتستخرج خيرها من بطونها، ولتنقب في الصحراء حتى تستخرج كنوزها من أحضانها، فإذا كان ذلك فلا عاطل ولا فقير، بل إن كان كذلك فلا استعمار، فإنما أساس الاستعمار الاستغلال، ثم لنعبر ماءنا بسفننا، وهواءنا بطياراتنا، ونلهو في مسارحنا، ونلبس من مزارعنا، ولا بأس أن نستجلب اليوم بعض الشيء من الخارج فسيكون لنا كل شيء غدا من الداخل، ولنتوسع في كل جهة، ولنمتد في كل اتجاه، وليكن ذلك كله عرضة للخطأ، ولا بأس، فالإقدام مع احتمال الخطأ خير من الإحجام مع الصواب، وسنتعلم من خطئنا أكثر مما نتعلم من صوابنا.