تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أداه ذلك إلى أن يكره من المدنية الحديثة عنفها في محاربة الطبيعة، ومحاولتها إخضاعها وإذلالها، كأن نزعة الحرب فيها عمت كل شيء، فالإنسان يحارب الطبيعة، والإنسان يحارب الإنسان، والطبقات تحارب الطبقات، وروحانية تاغور تدعو إلى الحب لا الحرب، فحب الطبيعة، وحب الإنسان، وحب العالم، لأنه يحب الله فيحب مظهره، ويرى الله في كل شيء فيحبه فيه.

وهو روحاني، يرى أن المادة ليست كل شيء، وأن لنا روحا غير مادتنا، وأن ليست علاقة فكرنا بمخنا علاقة معلول بعلة، وأن لنا صلة بالأرض وصلة بالسماء، ومن أجل هذا نعى على المدنية الغربية أنها تعنى بالمادة ولا تعنى بالروح، فهي تعبد المادة وتفكر في المادة، وينقصها التأمل الشرقي، كما ينقص الشرقي العمل الغربي وقوة الإرادة الغربية حتى تتعادل الكفتان، ويكمل العنصران.

كانت هذه عناصر دينه، ثم هو منح قوة فنية رائعة، وثقافة عصرية واسعة، واطلاعا على العالم برحلاته العديدة إلى أوربا وأمريكا واليابان، ونظرا نافذا إلى بواطن الأمور، وملكا لناصية اللغة الإنجليزية كملكه لناصية لغته الأصلية، فصب فيهما آراءه وفنونه، ونشر تعاليمه بشعره ونثره وقصصه وموسيقاه، فسمعها العالم، ووجد فيها نوعا من الغذاء الصالح الجديد يخالف في عناصره عناصر الغذاء الغربي القديم، لقد جلجل صوته بكل النغمات: في جمال الطبيعة، وحب الأطفال، وحب البساطة، وحب الله، وترك من كل ذلك ثروة للعالم سوف تنقضي السنون ولما يهضموها.

وكان ينظر إلى السياسة كما ينظر إلى الفلسفة، إنما يهمه من النظم السياسية آثارها في الحياة الاجتماعية، ويقوم أنواع الاستقلال بقدر ما تستتبع من إصلاح. •••

ولئن كان تاغور رجلا «مثاليا» يغوص تارة إلى أعماق الماء، ويجوز مرة أجواز الفضاء، ويرى في كل شيء من نبات وحيوان وجماد شيئا وراء ظاهره، وروحا وراء مادته، وإلها وراء شكله - «فسعد» رجل واقعي يفهم الحياة كما تبدو للعين، وكما يدل عليها الحس والعقل، لا الشعر ولا الخيال.

فإن كان كل إنسان كما يقولون إما أفلاطونيا أو أرسططاليسيا، فتاغور أفلاطوني، وسعد أرسططاليسي.

نشأ محاميا يرى دنيا الوقائع، ويدرس قانون الحوادث، ويوكل عن الخصم فيدرس قضيته، ويكيف موقفه، فما زال يكبر في حرفته بتقدمه في سنه ونضجه في عقله، حتى صار وكيل الأمة، يدرس قضيتها، ويكيف موقفها، ولكن قضية الفرد مهما عظمت سهل أمرها يسير حلها، وخصمه مهما عظم في مثل منزلته أو قريب منها، أما قضية الأمة فمعقدة أشد تعقيد، والخصم فيها قوي عنيد، يلجأ في المحاربة إلى كل الوسائل: إلى الإغراء والتهديد، وإلى المال والحديد، وما ظنك بخصم في يده كل قوى الاستعمار، من علم ومال، وقوة ودهاء، وحيل وأفانين، وجنة ونار، وإغداق من نعيم، وإلقاء في جحيم، وموكله أعزل، قريب عهد بحيل الاستعمار ودهائه، وألاعيب السياسة وتلونها؟ لا بد لمن يقف للدفاع في مثل هذه القضية من مواهب نادرة، وقدرة قادرة، فهو - من ناحية - عليه أن يقدم السلاح لقومه، ومن ناحية - عليه أن يجرد السلاح من خصمه، وعليه أن يكون فيهم رأيا عاما يعقل ويشعر، ويتحمس ويطيع، ويضحي ويصبر، وعليه أن يكون من الأمة كتلة متجمعة ترهب المنافقين فلا تسمع لهم ركزا، وتحير المستعمرين فلا يجد دعاؤهم منفذا، وعليه أن يتقدم الصفوف فيحدد السير يمينا ويسارا وهجوما وانتظارا، ثم هو - إذ يحمل اللواء - يتعرض لكثرة السهام، فلا يزيده ذلك إلا قوة، وينفى ويحبس ويشرد، فيكسبه ذلك صفاء في نفسه وقوة في يقينه، ويزيد الأمة إيمانا به والتفافا حوله، فتضحي من تضحيته، وتقتبس من شعلته، وتلتهب من حرارته، وتأخذها حالة أشبه بنوبة عصبية، أو غيبوبة صوفية: تؤمن به إيمان العجائز، وتطيعه طاعة المريد للشيخ، وتصم أذنها عن دسيسة الدساسين ومؤامرات المنافقين، ولا يزالون هو وهم في جهادهم حتى يصلوا إلى الغاية أو يقربوا منها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٩٤