هذه هي وجهة نظره، وهذا هو سبب شقائه، وهي وإن كانت وجهة نظر صحيحة معقولة، إلا أنها معقدة، وتعقيدها آت من قلة الثقافة في العالم، لا من كثرة الثقافة، فغير المثقفين - وهم السواد الأعظم - لا يقدرون عظم ما يبذله المثقف، وهم يقدرون الأشياء على مقدار عقلهم القاصر، وهم الذين في يدهم السلطة والمال، فهم معذورون إذا لم يوفروا للعالم والنابغة وسائل العيش حسب نظره وتقديره هو، ومن أجل هذا كلما انتشرت الثقافة في أمة وتولى زمامها مثقفوها، كان علماؤها ونوابغها أسعد حالا؛ وكذلك من أسباب شقائهم عدم تنظيم قوى المجتمع على قواعد معقولة، والفوضى في تقويم الأشياء والمعاني، وتمسك من بيدهم السلطة بالتسعيرة القديمة، ولكن العالم يسير إلى تنظيم كيانه، وإلى إصلاح عيوبه، وإلى ضبط فوضاه، وإذ ذاك - ونرجو أن يكون قريبا - تكون ثقافة العالم، ونبوغ النابغ، وأدب الأديب، وعقل العاقل موضع التقدير.
ولكن إلى أن يتم هذا لا بد أن ننظر لصالح المجتمع أكثر من صالح الأفراد، وأن ندعو إلى انتشار الثقافة لا انكماشها، وكثرة العلماء لا قلتهم، وألا نعبأ بمن يشقى من العلماء إذا كان في شقائهم سعادة المجموع، وأن نطالبهم أن يصوغوا أنفسهم حتى يجدوا سعادتهم في علمهم وشعورهم برقيهم، وكما قالوا: «لأن تكون سقراط ساخطا خير من أن تكون أبله راضيا».
| الزعماء الثلاثة
أغسطس سنة 1941
في هذا الشهر من هذا العام مات زعيمان جليلان: زعيم هندي روحاني هو تاغور، وزعيم مصري مالي هو طلعت حرب، وفي هذا الشهر منذ أربعة عشر عاما مات زعيم مصري سياسي هو سعد زغلول، فكان لأغسطس حق الفخر في احتوائه هؤلاء العظماء إن حق لشهر أن يفخر باعتدائه واحتوائه، أو له حق الخجل عن عمله، إذ حرم أممهم وعالمهم الفخر بقيادتهم والانتفاع بمواهبهم، أو هو لا يفخر ولا يخجل، لأن الدهر له مقاييس غير مقاييسنا، ونظرات غير نظراتنا، وله عذره في أن الموت لا يعدو أشخاص الزعماء وأجسادهم، أما أفكارهم ومبادئهم فحية أبدا، خالدة أبدا، إن عدا الدهر عليهم يوما فلا يضن يوما آخر أن يبعث من يأخذ رايتهم، ويسير قدما إلى غايتهم، وينقل التقدم من ميدان إلى ميدان، فإن أساء فقد كفر، وإن أمات فقد أحيا.
كان كل زعيم من هؤلاء عظيما وكان كل ينظر إلى الحياة من زاوية آمن بها، وضحى لها، وفني فيها، ووصل إلى أعماقها، فاستخرج مكنونها، وأضاء ظلامها، وشوق إليها، واستحث أتباعه أن يؤمنوا إيمانه، وينظروا نظرته، ويسيروا سيرته، وقد أوتوا جميعا من حرارة العقيدة وجميل البيان وصفاء الإيمان ما أنجح دعوتهم، ونصر مبادئهم، فماتوا وقد لونوا عالمهم بلونهم، ورفعوا أتباعهم إلى قريب من منزلتهم، ونشروا الإيمان بالفكرة والكفر بالعقبات، وبثوا الاعتزاز بالمبدأ والاستهزاء بالصعوبات، فكان لهم بعض ما أرادوا، والزمن كفيل أن يحقق كل ما أرادوا. •••
فأما «تاغور» فرجل روحاني، هو خلاصة أفكار الهند، وعصارة نزعاتها الروحية والحلولية، عبر عنها بأساليب العصر الحديث ولغته وروحه، لا فرق عنده بين الحق والخلق ولا بين الله والعالم، فالعالم مظهر الله، والطبيعة شعاره، وهو - تعالى - حال في كل ذرة من ذرات العالم، تراه في رمال الصحراء، وفي صفاء الماء، وفي أوراق الأشجار، وفي تفتح الأزهار، وفي البعوضة فما فوقها، وفي النجوم فما دونها، يتجلى في كل شيء حسب استعداده، ولا شيء سوى الله، والكائنات أجزاء منه وأبعاض له، وكلها كله، فهي وهو كأمواج البحر في البحر:
فما البحر إلا الموج لا شيء غيره
وإن فرقته كثرة المتعدد
فمن مزامير تاغور: «هو الله في كل شيء: في الماء وفي النار، وفي العشب والشجر، هذا إلهنا، الذي تعنو له وجوهنا».
أداه هذا النظر إلى أن يألف الطبيعة ويهيم بها ويتذوقها بحواسه كلها وبروحه كلها، وينفق الساعات ذوات العدد في الاستمتاع بجمالها والإصغاء إليها وعبادة الله فيها.