سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا
وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
والسعادة إنما هي في السعي للغرض أكثر منها في الغرض، والطريق إلى الغاية هو السعادة لا الغاية، وإنما يسعد الإنسان باستخدام قواه وملكاته لبلوغ غايته، فإذا بلغها تفتحت له غايات جديدة، وبذل فيها جهودا جديدة، وظهر في أثناء الطريق صعوبات استخرجت أقصى الجهد في التغلب عليها، فشعر بلذة الجهد ولذة الغلبة ولذة اعتداده بشخصيته واستخدامه ملكاته واستكماله نفسه أكثر من لذته بالغاية نفسها.
فلما تصور الناس السعادة بمعناها الخامل الذي ذكرنا، نظروا فوجدوا كثيرا من العقلاء والعلماء محرومين منها، فأفاض المحرومون في الشكوى، وصبوا على العالم سخطهم، ولو حسبوا حساب لذاتهم في السعي، ولذاتهم العقلية في فهم الكون، ولذاتهم في الكد في الطريق، وإن لم يبلغوا الغاية، ولو وزنوا بالميزان الحقيقي سعادة الجهلاء، ولم يبالغوا في تقديرها، لو فعلوا كل ذلك لصححوا حكمهم، وأدركوا خطأهم، ولقللوا من سخطهم على الزمان، ولعنتهم للدهر، وعتبهم على القدر.
وهب أن العلماء أشقى من الجهلاء، وأن العالم لم يسعد بعلمه، بل ساءت معيشته بعلمه، وأن علمه كان نقمة عليه، وأن العلم وسع نظره فأدرك واجباته وتبعاته، وأرهف حسه فجعله يألم مما لا يألم منه الجاهل، وأبعد طموحه فصار لا يرضى بما يرضى به العامي، ووسع حوض لذته (كما يعبر الفرنج) فأصبح لا يملؤه إلا الكثير، وقد كان - وهو جاهل - كالطفل، حوض لذته ضيق يملؤه القليل، وكبرت نفسه وبعدت غايته، فأصبح يدرك أن ما ناله من اللذائذ ناقص مهما كان.
هب كل ذلك كذلك، فهناك الخطأ الثاني الخطير، وهو مقياس الأشياء بمقياس الفردية، فعلى مر آلاف السنين وصل العقلاء والعلماء والنوابغ إلى نتيجة باهرة تلو نتيجة باهرة، وإلى مخترع لنفع الإنسانية تلو مخترع، حتى وصل العالم بفضل هذه المجهودات والمخترعات إلى حضارته الحاضرة ومدنيته الحديثة، وكان سعي العلماء في طريقهم شاقا عسيرا، وقامت في وجوههم صعوبات يعجز القلم عن وصفها، وذهب كثير منهم ضحايا في سبيل غايتهم، ولم يكونوا يتحملون هذه المشقات والتضحيات في سبيل فرديتهم وذاتيتهم، إنما يتحملونها في سبيل الجمعية القومية أو الإنسانية، وكانوا يتلذذون من تضحيتهم أكثر من تلذذ المادي بشهواته.
فهب أن العلماء شقوا أكثر مما شقي الجهلاء، وسعدوا أقل مما سعد الجهلاء، فماذا يضيرنا ما دام العالم كان أسعد وكان أرقى وكان في جملته أصلح؟
فلا يصح للعلماء أن يبكوا لشقائهم أفرادا ما دامت الجمعية الإنسانية تستفيد من جدهم وشقائهم، كما لا يصح أن نسمع لشكوى فرد نزعت ملكيته لفتح شارع عام، أو جنود قتلوا في سبيل انتصار أمتهم، أو أطباء ماتوا في سبيل مكافحة وباء، بل لا يصح أن يتقدم أحد من هؤلاء بالشكوى، لأن العالم علمنا بطريق سيره أن العبرة بتقدم المجموع ولو فني الأفراد في أثناء سيره، والفرق بين أمة منحطة وأمة راقية نظرة الأولى إلى صالح بعض الأفراد أو بعض الأحزاب، ونظرة الثانية إلى الصالح العام.
فغلط العلماء والعقلاء والمخترعين الذين يشكون نشأ من أنهم نظروا إلى أنفسهم كأنهم آلات مستقلة، ولم ينظروا إليها كأنهم تروس في الآلة الضخمة، آلة الأمة أو آلة الإنسانية، وخطؤهم أيضا نشأ من اعتقادهم أن علمهم وثقافتهم وقوة عقلهم - إنما ركبت فيهم لنفع أفرادهم، وأن غايتهم استفادتهم منها لنفع أشخاصهم، وليس ذلك بصحيح، فكل الملكات الممتازة في الأفراد، وكل قدرة على الاختراع والتثقيف وبث المبادئ، إنما منحت للأفراد لخدمة الجماعة وترقيتها، فمتى أدت هذا الغرض فلا يهمنا بعد عاش أفرادها في بؤس أو رخاء، في نعيم أو شقاء. •••
ولكن ... من طبيعة الثقافة أنها ترقي العقل وترقي المشاعر، ومتى رقي العقل والمشاعر كان صاحبهما أقدر على اللذة، كما يكون أكثر تعرضا للألم، فمتى وجد في ظروف مناسبة كان أسعد من الجاهل، ومتى وجد في ظروف غير مناسبة كان أشقى من الجاهل، والمثقف بعقله الراقي كثير التساؤل: ما الحياة؟ وما الغرض منها؟ وما قيمتي فيها؟ ثم هو واسع الطموح كثير التطلع لحالة خير من حالته، وكلما أدرك حالة تطلع لما هو خير منها، ثم هو جيد التقدير، يقدر نفسه ويقدر من حوله، فيرى من حقه ومن حق ثقافته ومن حق سعة عقله، أن ينعم في الحياة المادية بأكثر مما ينعم الجاهل، ويرى واجبا على المجتمع الذي يعيش فيه أن يكرمه نظير علمه الذي يخدمهم به، فتوفر له وسائل العيش ووسائل السعادة حسب نظره، فلماذا تطلب منه التضحية فقط، ولا يطلب من الأمة أن تضحي بجزء من مادتها ليضحي هو بأغلى من ذلك، بعقله وصحته ونفسه أحيانا؟