ونعود إلى صدر الإسلام فنرى عمر ينظر إلى شاب قد نكس رأسه فيقول له: «يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر للناس نفاقا على نفاق»، ونرى اليوم تصنعا في التدين والصلاح، بعمة حمراء وعمة خضراء وسبحة طويلة، وانكسار وتقشف، وغيبوبة عقل، فيخدع الناس بمظاهرهم، وينسبون الولاية إليهم، ويستمدون البركة منهم.
ونعود إلى صدر الإسلام فنرى علي بن أبي طالب يعين عاملا من عماله ويقول له: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا إلا سويته».
ونرى اليوم الأضرحة والمزارات منتشرة في كل مكان للصالحين وأشباه الصالحين، بل لمن لو رجعت إلى تاريخه لوجدت أن لا منقبة له إلا مظالم ارتكبها، وظن أن بناء المسجد والضريح يكفر عنها.
لا لا أيها الناس، ليس في الإسلام وثنية، وليس في الإسلام الصحيح تخريف، ولكن دخل فيه أقوام وفي رءوسهم خرافات الوثنيات الأولى! فوثنية العرب الجاهليين، ووثنية مصر القديمة، ووثنية المجوس، ووثنية الرومان، كل هذه اندست بين المسلمين، واصطبغت بصبغة الإسلام، والإسلام بريء منها، وذهب الماء الصافي ولم يبق إلا عكره، وامتلأ الإناء بالدردي.
| المثقفون والسعادة
قرأت قول المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقرأت قول الآخر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة
وصير العالم النحرير زنديقا
وقول ابن المعتز:
وحلاوة الدنيا لجاهلها
ومرارة الدنيا لمن عقلا
وقول ابن نباتة:
من لي بعيش الأغبياء فإنه
لا عيش إلا عيش من لم يعلم
وقرأت كثيرا مثل هذا في الشعر العربي يدور حول لعنة العالم، لأنه يعذب العالم ويسعد الجاهل.
فتساءلت: هل هذا صحيح؟ هل العلماء في جملتهم أشقى من الجهلاء؟ وهل العلم يسبب الشقاء والجهل يسبب السعادة؟
إن كان هذا صحيحا، وكان العالم إنما يسعى وراء السعادة، فالنتيجة المنطقية لهذا أنه يجب علينا محاربة العلم ونشر الجهل، وإغلاق المدارس، وعد تأليف الكتب جريمة وطبعها جريمة والجامعة جريمة، وكل حركة علمية جريمة، لأنها تبعد من السعادة التي هي غاية الإنسان بطبعه، أو على الأقل يجب أن تكون غايته.
إذا فلا بد أن يكون أحد الرأيين خطأ، أما والناس يكادون يجمعون على فضل العلم وأنه وسيلة من وسائل السعادة، فوجب أن يكون الرأي الأول باطلا، ولكن أين وجه البطلان؟
وجه البطلان من نواح عدة: أولها - سوء تصور الناس للسعادة، فالرأي السائد فيها أنها حياة كسل لا يكدرها عمل، وحياة حقوق لا واجب فيها، وحياة لذة مشتعلة لا خمود لها، وأكل شهي من غير عناء، وتنوع ملاذ من غير انقطاع، وارتواء باللذات من غير جهد، وبعد للآلام من غير أن يتعب في إبعادها، وحضور لكل ما يخطر بباله من مسرة من غير نصب في جلبها، ونحو ذلك.
وهو تصور فاش بين الناس حتى عقلائهم، ومن لم يقله جهارا اعتنقه سرا، ومن لم ينله طمع فيه، وتحرق شوقا إليه، ومن حرمه في الدنيا أمله في الجنة، وجعل عبادته وسيلة لإدراكه.
وهو تصور لمعنى السعادة باطل، وفهم خاطئ، وإني لأتخيل حياة من هذا النوع أشبعت فيها كل الرغبات من غير جهد، وأتصور رجلا أجري عليه كل أنواع النعيم: من قصور فخمة وحور وولدان وكل ما تشتهي الأعين وتلذ الأنفس، فأجده بعد قليل قد صرخ من السعادة واشتاق إلى الشقاء، وإن شئت فقل: إنه يبحث عن سعادته في شقائه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويطلب الفوم والعدس والبصل بدلا من المن والسلوى، ويفضل المرأة الشوهاء على المرأة الحسناء، ويشتهي جلسة على التراب بدل الأرائك والحرائر ، ويتمنى ساعة عذاب يتقي بها شر هذا النعيم المقيم.
هذا هو الإنسان، وهذه طبيعته، ليست سعادته في هدوء متطامن، ولا في ركود مستمر، وإنما هي كما قال القائل: