ليس من الممكن أن تجتمع عقائد الدين الصحيح وهذه العقائد الخرافية، فإذا دخل أحدهما من باب خرج الآخر من باب، والحق أن الإسلام يوم كان يعتقد اعتقادا صحيحا لم نكن نرى شيئا من هذا، وحين رأينا هذا لم نر الدين الصحيح.
التخريف يشل العقل ويجعله غير صالح لمواجهة الحياة الواقعية، ويجعل حياة من يستولي عليه خيالا مضطربا كخيال الحشاشين، ليس له ضابط ولا يخضع لقانون، وكخيال السكير يحسب الديك حمارا، والقرد غزالا، وإذا كان «متعاطي» الحشيش ومدمن الخمر يصلح للحياة صلح لها المخرف.
التخريف يلازم الجهل، ويلازم ضعف العقل، فالعقل القوي يرفض أي تخريف، والعلم بالكون وأسبابه ومسبباته وقوانينه ومسلكه يبدد التخريف كما يبدد النور الظلام.
اعتبر ذلك في الطفل والرجل، فالطفل لضعف عقله قابل للتصديق بالخرافات، يعتقد حكايات العفاريت صحيحة، ويعتقد قصص الحيوانات صادقة، فإذا نما شيئا فشيئا زال هذا الاعتقاد شيئا فشيئا، وحل محله إدراك الواقع، وفرق بين القصص الخيالية والسير التاريخية، فكذلك الشأن في الأمم، إذا كان عقلها عقل طفل آمنت بكل ما عددنا، وكانت حياتها مستغرقة بالمشايخ والأولياء والعفاريت والنذور والنجوم وما إليها، فإذا رقيت تبخر كل ذلك وحل محله الإيمان بالكون المعقول يدبره إله معقول.
لقد كانت أمم أوربا منذ أقل من ثلاثة قرون غارقة في مثل هذا التخريف، وكانت تعتقد في السحر والسحرة إلى حد بعيد، وكم سبب هذا من مصائب وضحايا ومظالم لا عداد لها، ثم أخذ يقل شيئا فشيئا بانتشار التعليم وترقية العقل، حتى قلت دائرته وجعل زمام الحياة لسلطان العقل، وانكمش سلطان التخريف.
أخطر ما في التخريف أنه يزلزل الإيمان بقوانين الطبيعة وقوانين السببية! فتكفي دعوة شيخ لقلب كل قوانين الاقتصاد وقوانين النبات، وتكفي تعزيمة رجل لتزيل أسباب الفقر الطبيعية، ويكفي وجود الأضرحة لتتقى بها الأعداء في الحروب، ويكفي عقد الزواج في ساعة من ساعات السعد، لتصبح الحياة الزوجية سعيدة رغم كل عوامل الشقاء الطبيعية، وهكذا.
ولا تشقى أمة شقاءها بهذا التخريف، ولا يضعفها في حياتها ما تضعفها هذه المعتقدات.
لقد قطع العالم هذا الشوط، وتحرر مما سببه هذا التخريف من تعاسة وشقاء، وأحل المصلحين المعقولين محل الأولياء والقديسين، وأحل قوانين الصحة والمرض محل طب الركة، وأحل علم الزارعة مكان الزراعة بالبركة، وأحل قوانين الاجتماع محل الاعتماد على القدر وحده، وليس في كل هذا ما يمنع من إيمان صحيح يعتقد فيه بأن للعالم إلها قادرا عادلا لم يتنازل عن سلطانه لمخلوق يعبث به، قد خلق خلقه، وحاطه بقوانين لم يسمح لأحد أن يتلاعب بها، ويستخدمها في أغراضه مهما كانت هذه الأغراض.
نعود إلى صدر الإسلام، فنرى عمر بن الخطاب يرى ناسا يأتون الشجرة التي بايع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فيأمر بقطعها حتى تكون العبادة لله وحده.
وننظر اليوم فنرى باب زويلة - وهو ليس إلا بابا من أبواب سور القاهرة القديمة - قد اتخذ معبدا يزعمون أنه مسكن لقطب من الأقطاب الأربعة؛ ومن أجل هذا سمي «باب المتولي» والناس يتمسحون به، ويربطون في مساميره قصة من شعورهم أو خيطا من ملابسهم، ويشتفون به من وجع أسنانهم أو صداع رءوسهم.
ونعود إلى صدر الإسلام فنرى في سيرة عمر أنه خرج في حجة فمر بمسجد فبادره الناس بالصلاة فيه، فقال : ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض. ثم نرى الناس اليوم وقد تهافتوا على أمكنة وقف عندها ولي مزعوم، أو لمستها يد صالحة مباركة كما يقولون، أو رأى مدله رؤيا شاهد فيها قديسا من القديسين.