إن العالم له قلب ينبض، وله عقل مفكر، وله شعور بذاتيته، وله شعور بوحدته، وليست أجزاؤه إلا خلايا كخلايا الشجرة الضخمة، ولخلاياه وظائف متنوعة تعمل لغاية هي الثمرة، وكل ضروب أفعاله منسجمة متعاونة متوائمة، كان كذلك في القديم ، وهو كذلك في الحديث، وسيكون كذلك في المستقبل، لم يسر يوما وفقا لغرائز حفظ الذات وحفظ النوع ويوما على عكس ذلك، ولم يتقهقر الإنسان يوما فيرجع إلى حالته الأولى بعد ما خطا خطوات في تقدمه، ولم يكن في أمسه أعقل منه في غده.
أفبعد هذا ينكر منكر أن له غاية، ويدعي مدع أنه يخبط خبط عشواء؟
قد علمنا التاريخ أن العالم حين يقدم على خطوة جديدة، وحين يتمخض لولادة جديدة، تقوم زوابع كثيرة تقلب الأوضاع وتكسر ما يعترضها، ثم ينزل الغيث وتهدأ الزوابع ويلطف الجو، وأظن أن الحرب الحاضرة شأنها شأن الزوابع الماضية، ليست إلا علامة على أن العالم يتمخض للولادة، وأنه يريد أن يتخلص من بعض شرور الماضي؛ ليضع أسسا جديدة لمستقبل أسمى، ومما يؤسف له أن العالم في الحاضر والماضي ليس لديه إلا هذه الوسيلة للإصلاح، لا يستطيع أن يبني بناء جديدا إلا بعد هدم القديم، وإلا كان العمل ترميما لا تجديدا.
| أوقات الفراغ
حدثت أن جنديا أجنبيا ظريفا رأى في مقهى بحلوان رجلين يلعبان النرد، وكانت الساعة السابعة مساء، فتقدم إليهما بكل أدب واحترام، وحياهما ثم سألهما: من أي وقت بدأتما اللعب؟ - من الساعة الرابعة. - وإلى متى؟ - إلى الثامنة أو التاسعة. - وما عملكما؟ - مدرسان.
فانهال عليهما ضربا ولكما، وقال: أما لكما عمل تعملانه، أو رياضة تقومان بها، أو خدمة اجتماعية تؤديانها؟ •••
ليت لنا مشرفين من هذا القبيل يعزرون من أضاع وقته على هذا النمط، إذا ما نجا من الضرب واللكم إلا القليل!
فالمقاهي والأندية مزدحمة بالناس في الصباح والمساء، والوقت فيها ضائع بين لاعب نرد، ولاعب شطرنج، وشارب «شيشة»، ومتحدث حديثا فارغا.
في مصر آلاف الموظفين يفرغون من عملهم في الساعة الثانية بعد ظهر ويعودون في الثامنة صباحا، فسائلهم كيف قضوا ثماني عشرة ساعة في كل يوم؟ وهل استفادوا من زمنهم في عقلهم أو جسمهم، أو عملوا عملا نافعا لأنفسهم أو أمتهم؟
وفي البيوت نصف عدد الأمة من النساء، فكيف يقضين أوقات فراغهن؟
وفي المنازل آلاف الآلاف من طلبة المدارس، يقضون أربعة أشهر أو خمسة إجازة صيفية، فهل تساءل الآباء كيف يقضى هذا الوقت الطويل فيما يعود بالنفع على جسمهم وعقلهم؟
إذا كان الزمن هو المادة «الخامة» لاستغلال المال وتحصيل العلم وكسب الصحة، فكم أضعنا من كل ذلك؟ وكم أعمار تضيع في عبث، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
من نتيجة ضياع الزمن ضياع كثير من منابع الثروة، كان يمكن أن تستغل لولا إهمال الزمان وجهل باستعماله؛ فكم من الأراضي البور كان يمكن أن تصلح، ومن الشركات يمكن أن تؤسس، ومن المؤسسات المختلفة يمكن أن تنشأ وتدار بجزء من الزمان الفارغ.
ومن نتيجة ضياع الزمن كساد الكتب والمجلات الجدية في مصر والشرق، فهي لا تطبع إلا نسبة غريبة لعدد المتعلمين، وما يطبع لا ينفق إلا أقله، هذا على قلة ما تصدره المطابع من الكتب والمجلات؛ إذ ليس هناك عقل يطلب الغذاء ولكن معدات تضج بالتخمة، وليس هناك نفوس تألم من الجهل، ولكن أجسام تخلد إلى الراحة، إن شئت أن تندهش حقا فاجمع ما يطبع من المجلات الجدية في مصر، وهي أربع أو خمس، وانسبها لعدد المتعلمين، واستبعد منها ما يرسل إلى العالم العربي، تدرك مقدار الخمول الذهني، والفقر العقلي، والجمود النفسي.
والشأن في عالم المال كالشأن في عالم الكتب، فهناك القناعة بالقليل والرضا بما قسم الله والنوم على الوظيفة، والعمل الراتب الذي لا يدعو إلى جهد، ولا يبعث على تفكير؛ ثم هناك الفكر المضني، وإفساح الطريق للأجنبي النشيط الذي يعرف كيف يستغل زمنه. •••