تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تتورع الطبيعة أن تخدع المخلوقات بكل صور الخداع لتعمل وفق ما ترسم، فهذا الإنسان - وهو أرقى أنواع المخلوقات - يخدع بكل أنواع الخداع لتحقيق غرض الطبيعة. إن شئت مثلا واحدا فطالع فصول غرامه وغزله وهيامه، وكل فصول حياته الزوجية، وكل أدب وفن نسائي، لترى كيف تلعب الطبيعة بالإنسان لحفظ النوع، وكل ما وضع من مبادئ أخلاقية، وقواعد قانونية، إنما دفعت إليه الطبيعة لخدمة هذه العناصر الثلاثة وللمحافظة عليها.

وشأن العالم شأن شجرة الورد، فكما أن آلاف الأعمال تعملها بذرة الورد من تغذ ونمو واستنشاق وتعرض للضوء ونحو ذلك لغرض واحد هو إنتاج زهرة الورد، فكذلك العالم يعمل كله - كوحدة - ملايين الأعمال من محافظة على الأفراد والنوع للوصول إلى غاية، وهي السمو وتحسين النوع.

والطبيعة لا تعبأ بالتضحيات الكثيرة للوصول إلى هذا الغرض، فكم من بذور النبات يهلك ليحيا أحسنه، وكم من ملايين الحيوان والإنسان تصادفه العقبات في سبيل حياته وبقائه، ولا يبقى إلا أصلحه، وهذه الأحياء كلها تتمخض عن عدد قليل من النوابغ الأفذاذ، هم قادة العالم في مرافقه المختلفة يقودونه إلى الأمام دائما.

قد يحدث في العالم كوارث في منتهى الفظاعة، كما تثور البراكين، وكما تزلزل الأرض، وكما تقوم الحروب الهائلة بين بني الإنسان، فيفنى في ذلك العدد الكثير، ولكن سرعان ما يسترد العالم كيانه، ويبدأ سيره وتقدمه، ويتجلى له أن هذه الكوارث ليست إلا إرهاصا ببناء جديد على أنقاض قديم، وأن هذه الكوارث الإنسانية ليست إلا نتيجة لتعفن النظم الحاضرة، وبناء نظم أرقى لإنتاج إنسان أسمى، وما العلم والنظم والحكومات إلا أدوات لرقي الإنسان ومظاهر لحالته الاجتماعية، يرقى فيرقيها، وترقى فترقيه، ومذهب الطبيعة أن لا بأس بهلاك الكثير لتحسين القليل، شأنها في ذلك شأنها في تدفق ماء الرجل يحمل ملايين من الأحياء لا يعيش إلا واحد منها هو أصلحها للبقاء، وكل يوم يكتشف الإنسان وسائل للسمو به، ولكن قد يجربها فتفني العدد العديد منه، حتى يضبط نفعها، ويستطيع التغلب على ضررها، كما يحدث في تاريخ الإنسانية عوائق تعوق سيره، يحدث كذلك ما يعوضها من وثبات وقفزات يطفر بها إلى الأمام، كم ألوف من الناس قد ذهبوا ضحية العلم والمخترعات الحديثة، ولكن ما كسبته الإنسانية - ككل - وما أفاده العالم - كوحدة - أعظم جدا مما خسره، قد يتخلف الجنود الضعفاء في سير الجيش، وقد يموت كثير من أفراد الجيش الزاحف، وقد يموت بعض الوحدات القوية الصالحة، ولكن إذا فتح الجيش المدينة المنشودة فلا بأس بمن فقد، كم فقد العالم من مستكشفين! وكم فقد العالم من رواد البر والبحر! وكم فقد من طائرين وطيارات! وكم فقد من المجربين في الكهرباء، ولكن ما كانت نتيجة ذلك كله؟ كانت نتيجته أن العالم تقارب نوعا ما، وأصبح وحدة ما، وسيسير في سبيله للتغلب على العقبات غير عابئ بالضحايا حتى يقرب من الغرض، بل هو كذلك يضحي بالعدد الكثير من عامة الأفراد، ليصل إلى إنتاج العدد القليل من النوابغ الأفذاذ.

ربما صعب على المفكر أن يرى تقدم العالم إذا نظر إلى أمة واحدة، أو قارن بين العالم اليوم والعالم منذ سنة أو سنتين أو عشر، ولكن ليطل الزمن قليلا، ولينظر إليه نظرة شاملة، وليقارن بين العالم في قرن والعالم في قرن قبله والعالم في قرون سابقة، ير أنه يسير إلى الأمام دائما وأنه على حد تعبير أرسطو يسير نحو تحقيق العقل، فللعلم الآن مكانته العظمى، وسيطرته القوية، والعلم هو مظهر العقل، وأعني بالعلم معناه الواسع، وهو العلم بقوانين العالم والإيمان بها، والسير على مقتضاها، ونحن إذا نظرنا إلى الماضي البعيد السحيق في البعد اغتبطنا لتقدم العالم هذا التقدم، ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل البعيد السحيق في البعد أدركنا أن العالم لا يزال في طفولته، ولكنه سائر حتما إلى شبابه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨٦