تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لست أريد من المحافظة على الزمن أن يملأ كله بالعمل وأن تكون الحياة كلها جدا لا هزل فيها، وأن تكون عابسة لا ضحك فيها، فقد كان هذا هو المثل الأعلى في القرون الوسطى، وكان خير الناس من جد ولم يهزل، وعبس ولم يضحك، وواصل العمل وواصل العبادة، واستحضر الموت في كل لحظة، فلم يدخل السرور قلبه، ورؤي مهموما دائما كأنما هو راجع من جنازة، ثم كان من خير ما اتجه إليه دعاة العصر الحديث أن السرور والضحك واللعب في جزء معقول من الزمن ينفع الخق أكثر من الجد الدائم والوقار المتصل.

واستكشف علماء النفس أن مثل هؤلاء المتزمتين المدمنين على الجد، كانوا أقرب إلى القسوة على الناس، وأقلهم بهم رحمة، وأبعدهم عن التسامح، وعلى يد أمثال هؤلاء قامت محاكم التفتيش في أوربا، وعذب الناس على يد زياد والحجاج وأبي مسلم الخراساني وأمثالهم من المسرفين في الجد، وعلى العكس من ذلك كان الإحسان والتسامح والعفو والرحمة ممن كانوا يجدون ويلعبون، ويعملون ويمرحون.

إنما أريد ألا تكون أوقات الفراغ طاغية على أوقات العمل، وألا تكون أوقات الفراغ هي صميم الحياة، وأوقات العمل على هامشها، بل أريد - أكثر من ذلك - أن تكون أوقات الفراغ خاضعة لحكم العقل كأوقات العمل، فإننا في العمل نعمل لغاية، فيجب أن نصرف أوقات الفراغ لغاية كذلك، إما لفائدة صحية كالألعاب الرياضية، وإما للذة نفسية كالمطالعات العلمية أو الأدبية.

أما أن تكون الغاية هي قتل الوقت، فليست غاية مشروعة، لأن الوقت هو الحياة، فقتل الوقت قتل الحياة؛ فالذين يصرفون أوقاتهم الطويلة في نرد أو شطرنج لا يعملون لغاية يرتضيها العقل، وكذلك الذين يتسكعون في المقاهي والأندية والطرقات لا يطلبون إلا قتل الوقت كأن الوقت عدو من أعدائهم.

مفتاح العلاج لهذه المشكلة الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يغير موضوعات حبه وكرهه كما يشاء، ويستطيع أن يغير ذوقه كما يشاء، فيستطيع أن يمرن ذوقه على أشياء لم يكن يتذوقها من قبل، وعلى كراهية أشياء كان يحبها من قبل، ففي استطاعة أغلب الناس - إذا قويت إرادتهم - أن يقسموا أوقات فراغهم إلى ما ينفعهم صحيا، وإلى ما ينفعهم عقليا.

ومن الأسف أن عامة الناس يعتقدون أن قراءة القصص الخفيفة والمجلات الرخيصة كافية لغذاء عقولهم، فهم يلتهمونها التهاما، ويكتفون بها في لذتهم العقلية، وهي ليست إلا مخدرا للعقل، أو منبها للغرائز الجنسية، وقليل من الصبر وقوة الإرادة يجعل المتعلم صالحا للدراسة الجدية والقراءة المفيدة، وكل مثقف يستطيع أن يخلق في نفسه هوى لشيء جدي في نوع من أنواع المعارف يدرسه ويتوسع فيه ويتعمقه، سواء كان أدبا أو حيوانا أو أزهارا أو ميكانيكا أو تاريخ عصر من العصور أو أي ضرب من ضروب المعارف الإنسانية، ثم يثير رغبته فيه، ثم يخصص جزءا من يومه لدراسته والاهتمام به، فإذا هو إنسان آخر له ناحية من نواحي القوة، وله شخصيته المحترمة، وإذا الأمة غنية بأبنائها في شتى فروع العلم والمعارف والفنون، تعتمد على كل فيما تخصص فيه من نواحي الحياة، وإذا الناس في مجالسهم يرقى حديثهم، ويستفيد كل من كل في نوع معارفه وضروب تخصصه، وإذا الثقافة ارتقت والعقول اتسعت والحياة سمت.

إذ ذاك يشعر الناس أن عليهم واجبا أن يغذوا عقولهم كما يغذون معداتهم، وأن لا حياة لهم بدون غذاء، وإذ ذاك تنشط حركة التأليف والترجمة والنشر، بل وإذ ذاك يرتقي اللهو في دور السينما والغناء، لأن العقول المثقفة لا يلذها إلا عرض مثقف يلائم الذوق المثقف.

اجعل شعارك دائما أن تسائل نفسك: «ماذا عملت في وقت فراغك؟» هل كسبت صحة أو مالا أو علما؟ وهل خضع وقت فراغك لحكم عقلك، فكان لك غاية محدودة صرفت فيها زمنك؟ إن كان كذلك فقد نجحت، وإلا فحاول حتى تنجح، فقليل من الزمن يخصص كل يوم لشيء معين قد يغير مجرى الحياة ويجعلها أقوم مما تتصور وأرقى مما تتخيل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨٨