تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا

وعناهم من أمره ما عنانا

وتولوا بغصة كلهم من

ه وإن سر بعضهم أحيانا

وليست مظاهر التقدم إلا خداعا، وليس الفرق بين ما نسميه أمة متمدنة وغير متمدنة إلا كالفرق بين المرأة في طبيعتها والمرأة في زينتها، وسيترك كل جيل من الناس الدنيا كما دخلوها بشرورها وبؤسها وشقائها، وليست الحضارة والبداوة إلا طلاء ظاهرا لغرائز متشابهة.

ولكن هؤلاء المتشائمين قد أصيبوا بعمى اللون، فلم يروا في العالم إلا لونا واحدا هو لون السواد، ولم يروا مادة لأدبهم إلا نعيق البوم، وسواد الغراب، وحلكة الظلام، ولم يقوموا في الحياة إلا المآسي، ولم يسمعوا من النغمات إلا المحزن، ولم ينظروا في الحياة إلا إلى سطحها، لا إلى عمقها، وشغفوا بالأحداث الجزئية، لا النظريات الكلية.

إن نظرة شاملة لحركات العالم واتجاهاته تدل على أنه سائر لغاية، وأن له روحا وإرادة وعقلا لا يقاس بها ما للفرد، وأنه يعمل في دأب وجد واستمرار لبلوغ غايته، وأنه كالفرد له أعمال لا شعورية يدعو إليها العقل الباطن، وأعمال شعورية يدعو إليها الفكر، وله أعمال تدعو إليها الفطرة والغريزة، وأعمال تأملية، وله أعمال ظاهرة وأعمال خفية، وكلها تقرب إلى الغرض، والعالم يسير إلى الإمام في ثبات واستمرار، قد تتخلف بعض أجزائه، وقد تتعطل بعض خلاياه، ولكنه في جملته يسير قدما، لا يعبأ بما تخلف من جزئياته، كالجيش الظافر لا يعوقه موت بعض جنوده، ولا عطل في بعض آلاته، ولا تخلف من يصيبه الإعياء، بل هو بالغ غايته على الرغم من كل ذلك، هكذا كان تاريخ الإنسانية، فقد ترقى أمة ثم تتخلف ثم تموت، ولكن لا تموت حتى يتسلم منها مجدها قوم آخرون يخطون بالعالم خطوة جديدة، ويحققون روح العالم العامة التي تدفع إلى الأمام ولا تريد إلا الأمام، والتي تعد الوسائل لذلك دائما من أخلاق قوية، وأبطال أقوياء، ونوابغ أفذاذ، وتاريخ الإنسانية من مبدئها إلى الآن ليس إلا مراحل للتقدم إلى الأمام في نواحي الحياة المختلفة من شعور وحرية وتفكير، ولا يمنع الناس من إدراك هذا إلا قصر نظرهم على جزئيات العالم كأمة بعينها أو قطر بعينه، أما إن نظروا إلى العالم من حيث هو وحدة، فهناك تتجلى علائم التقدم بأجلى مظاهرها، فالعالم بناء شامخ شيدت طبقاته في أجيال، أو قصيدة واحدة نظمت أبياتها على تعاقب الأزمان، أو رواية محكمة يؤلف كل جيل منها فصلا، ثم لم تتم فصولها، ولم توضع خاتمتها، هو سائر إلى الأمام في كل مظهر من مظاهره، في فنه الدال على شعوره، وفي دينه الدال على روحه، وفي علمه الدال على عقله.

بني العالم على ثلاث قواعد: حفظ الذات، وحفظ النوع، وتحسين النوع، هذه هي الأوراق الثلاث التي يلعب بها العالم لعباته المختلفة في كل تصرفاته التي لا نهاية لها، وكل شيء في العالم من الحشرة الدنيئة إلى أرقى أنواع الإنسان يسعى إلى تحقيق وجوده الذاتي ووجوده النوعي، والعالم كله في جملته يتسامى لتحقيق غايته، وقد اتخذت الطبيعة لتحقيق ذلك كل الوسائل الممكنة من تحريك الغرائز المختلفة، والانفعالات المتباينة، والعواطف المتناقضة، ونحن لو بحثناها على شدة ما بينها من اختلاف لوجدناها كلها ترجع إلى هذه العناصر الثلاثة: تلعب الغرائز والانفعالات والعواطف كل ألاعيبها في النبات والحيوان والإنسان لحفظ الذات وحفظ النوع، وتلعب في الإنسان ألاعيبها كذلك للسمو به، فسعي النبات وراء قوته وتجهيزه بالآلات العجيبة للحصول على غذائه، وتكثير بذوره، وسلوك الحيوان في شهواته وعواطفه، والإنسان في كل تصرفاته وعواطف حبه وغزله، وعواطف أبوته وأمومته وأفانينه - كل ذلك يفسر في النهاية حفظ الذات وحفظ النوع، فقانون الطبيعة في ذلك قانون ثابت لا يتخلف، ولا يمكن أن يصدر ذلك إذا لم يكن للعالم غاية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨٥