وهنا - مع الأسف - تنقطع القصة فجأة وتقف الأحداث عند باريس، فلا يتممون رحلتهم إلى إنجلترا، ولا يعودون إلى مصر، مما يدل على أن القصة لم تتم، وقد كنت سمعت أن المرحوم إسماعيل بك رأفت هم مرة أن يتم هذه المرحلة، ويرجع بالشيخ علم الدين وابنه برهان الدين إلى مصر من طريق آخر، ولكنه لم ينفذ ذلك فبقي الشيخ وابنه ينتظران العودة إلى الآن.
هذا وصف موجز جدا لقصة علم الدين، وقد ألفت حول سنة 1296 هجرية، وطبعت في مطبعة جريدة المحروسة سنة 1299ه/1882م فيكون لها الآن نحو أربعة وستين عاما.
وفيها نظرات صائبة إلى الحياة الاجتماعية المصرية، ونقد خفي لاذع لأولي الأمر في مصر، وإهمالهم شئون الرعية، وفيها ضوء قوي يلقى على المدنية الغربية وأصولها وأهم مظاهرها، وفيها دعوة غير مباشرة للاقتباس منها، وفيها بث معلومات كثيرة عن العالم في جماده ونباته وحيوانه وإنسانه، في أسلوب شائق وفكاهة حلوة.
ولولا أنه أكثر من المعلومات وكدس فيها من العلوم والمعارف ما قلل من روابط القصة، وتكلف أحيانا خلق الحوادث ليدلي بعلمه، ولينقل بحثا كاملا في الموضوع يقلل من لذة القارئ في تتبعه للقصص، ولولا أنه لم يحبك شخصياته حبكا محكما، كأن ينسى شخصية الشيخ علم الدين، ويصوره لا يعرف شيئا من شئون الدنيا إلا في حدود منزله ومسجده، ثم ينسى ذلك وهو في فرنسا فينسب إليه معرفته بابن رابية وخلاعته ومجونه، ومعرفته بحارة اليهود ومعاملتها المالية بالتفصيل ونحو ذلك من هنات - لولا ذلك لعدت خير القصص المصري موضوعا وفنا، ومع هذا فهي لا تزال حافظة لقيمتها الكبيرة ناطقة بما بذل فيها من مجهود ضخم.
ألست معي - أيها القارئ الكريم بعد ما رأيت - أن الباعث على تأليف هذه القصة هي قصة الدسوقي و«لين» وأن مؤرخي الأدب لم يكونوا على حق في إهمالها وعدم التنويه بها؟
| غاية العالم
هل للعالم غاية يجد للوصول إليها؟ وهل له خطة مرسومة يسعى إلى نهايتها، ويتجه نحوها دائما مهما عاقته العوائق؟
أسئلة دارت، وتدور في ذهن المفكرين قديما وحديثا.
أما ابن الشبل البغدادي فحار في الأمر، ولم يستطع الجواب، وقال في حيرته قصيدته الرائعة:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار
مدارك قل لنا في أي شيء؟
ففي أفهامنا منك انبهار
إلى آخر هذه القصيدة المفعمة حيرة وارتباكا، وشكا وامتعاضا.
وحار حيرته كذلك أبو العلاء المعري، فقال:
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة
أي المعاني بأهل الأرض مقصود؟
لم تعطنا العلم أخبار يجيء بها
نقل ولا كوكب في الأرض مرصود
وقال:
أما اليقين فلا يقين وإنما
أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا
إلى آخر ما قال في الحيرة، وما أكثر ما قال!
ولندع الشعراء المتفلسفين ولننظر في آراء الفلاسفة المتعمقين، فنرى أنهم تساءلوا من قديم هذه الأسئلة، وأجابوا عنها إجابات متناقصة، فأما أرسطو فآمن بأن العالم يسير إلى غاية، وأن الغاية هي تحقيق العقل، هذا العقل ظهر ضعيفا أو كالعدم في النبات، وظهر أرقى من ذلك في الحيوان، وظهر أرقى من الحيوان في الإنسان، وهذا العقل لم يكن شأنه كبيرا في الإنسان البدائي، ثم نما شيئا فشيئا، وكلما تقدم الزمان ظهر سلطان العقل، واحتكم الإنسان إلى العقل، وسيظل يرقى ويرقى متجها إلى العقل الكامل، ولن يبلغ هذه الغاية، ولكنه سيسير دائما إليها، ويتجه دائما نحوها، وإنما عد الإنسان أرقى من الحيوان، لأنه أعقل، وعدت أمة أرقى من أمة، لأنها أعقل، والعالم يسير دائما إلى تحقيق العقل رغم ما يعوقه من عوائق.
وكفر آخرون برأي أرسطو، فرأوا أن العالم ليس إلا مخلوقا أخرق، وأنه يسير تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، وتارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار، وليس له هدف يرمي إليه، بل هو يسير كما شاءت المصادفة، وكما شاء له الهوى، وهو مجنون لا تعلل أعماله، انظر إلى الإنسان سيد العالم - كما يزعمون - في حروبه، وانظره في ملاجئ عجزته، وانظره في فقر فقرائه، وبؤس بؤسائه، ومستشفى مرضاه، وسجون مجرميه، وانظر ما يحدث في العالم كل لحظة من الكوارث، وفظائع الحوادث، وحتى السعادة التي فيه قد ربطت بالجهل، وهربت بالعقل، وحياة الناس مهازل تنتهي بالموت كما تنتهي الرواية بإسدال الستار، فليس صحيحا أن «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وإنما الصحيح أن ليس في الإمكان أسوأ مما كان، ولو أطلقت ثورا في مستودع خزف، أو مجنونا يحمل مشعلا في مخزن نسيج، ما صنعا ما يصنع العالم.