وقد دعا هذا الشيخ المصري شيخنا علم الدين إلى منزله وأكرمه، وفسر له هذه الأحداث وأسبابها تفصيلا. •••
بعد أيام قضوها في مرسيليا ركبوا إلى باريس، وها هو الإنجليزي يحدثه حديثا طويلا ممتعا عن باريس وتاريخها وتطورها وموقعها، وما أدخله عليها ملوكها على التوالي من تحسين إلى غير ذلك.
ويذهب برهان الدين مع يعقوب إلى «البالو»، ويعود إلى والده فيخبره بما رأى من الرقص، وكيف يرقص الرجال مع النساء أنواعا من الرقص كالبولكا والكانكان والولس، فيحوقل الشيخ ويغضب على ابنه ويقول له: أما علمت أن «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه؟» أما سمعت قوله
صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؟» فيعتذر إليه، ويعتذر يعقوب بأنه إنما أراد أن يعرفه كل شيء في البلد.
وكان الشيخ يمشي في شوارع باريس، فيلاحظ نظافة الأطفال وسلامة أبدانهم، وحسن صورهم وامتثالهم لأمهاتهم، فيتحسر على أطفال القاهرة وأحوالهم الوخيمة وطباعهم الذميمة، ودناسة ملابسهم، وكثرة بكائهم وعنادهم، ويزور متاحف باريس وحدائقها، ويقف على أهم ما فيها، وعند كل حسن في باريس يذكر نظيره في مصر، ويتمنى أن لو رقيت القاهرة رقي باريس، وينصحه الإنكليزي أن يبني رأيه في الإصلاح على الإحصاء والتعداد، ويضرب له في استخدام هذا الأصل مثلا بالفلاحة والزراعة في مصر وفرنسا وإنجلترا مستشهدا بالأرقام، ويهيئ الإنكليزي للشيخ جماعة يصورون نزعات مختلفة من الفرنسيين، من ملحد يعرض إلحاده على الشيخ في شناعة، فيستعيذ الشيخ بالله من سماع مثل هذه الأقوال، ومن مستشرق يعرف الكثير من اللغة العربية وآدابها، فيهش له الشيخ ويبش، إلى أمثال ذلك.
ويحضر برهان الدين حفلة لطيفة من رجال وسيدات، ويقضون سهرة ممتعة في أنواع من الفكاهات العقلية والأحاجي والمعميات، والمهارة في استخراج المجهول من أوراق «الكتشينة» إلى غير ذلك، ويحدث والده بكل ذلك، فيقول الشيخ: لا بأس بذلك، إنها إعانة على توسيع العقل والمدارك، وعندنا في مصر بعض الشيء كالفوازير والأحاجي، ونحو ذلك.
ويعلم الدارسون للغة العربية في باريس بحضور الشيخ فيدعونه لإلقاء محاضرة في جمعية الدراسات الشرقية، فيلقي محاضرة في ديوان امرئ القيس، ويذكر من شعره بعض أبيات يفيض في شرح مفرداتها، ويستطرد عند كل مفرد فيما ورد فيه من معان واستعمالات، ويتحلق السامعون بعد المحاضرة حوله، هذا يسأله عن المعلقات، وهذا يسأله عن لهجات العرب وهكذا.
وأخيرا دعي الشيخ إلى تياترو، فلبى الدعوة، ورأى الشيخ الرواية، وكان الإنجليزي يشرح له ما يدور من ألعاب ومغزاها وموضوع الرواية، وما إلى ذلك.
وذهب يوما إلى المكتبة الأهلية وأعجب بما فيها من الكتب، ويوما إلى «البورصة» وشرح له كيفية المعاملات فيها، والبنوك والأوراق المالية والفوائد وتاريخ الأمم في هذا الباب، كما شرحت له أصول المعاملات المالية، فعجب الشيخ من ذلك أشد العجب، وقارن بين هذا وما يحدث في حارة اليهود بمصر، إذ يكثر الصيارفة والمرابون، ويتوارد عليهم الناس من الأرياف فينتهزون فرصة الاحتياج، فيثقلون الربا، ولا يقرضون إلا برهن أو ضمانة، فيئول أمر الناس غالبا إلى بيع ما رهنوه وتلحقهم الفاقة، والحكومة لا تتدخل في الأمر ولا تجعل للفوائد حدا، ويعجب الشيخ وابنه من كثرة ما سمعا في البورصة من الآلاف المؤلفة من الجنيهات، كأن أوربا قد فتحت لها خزائن قارون وخزائن كسرى.
ويقضي الشيخ أياما في باريس يتعرف فيها مظاهرها وحدائقها ومتاحفها وأهم ما فيها، فيمتلئ عقله خبرة وتجربة، ويصبح شيخا عصريا في نظراته إلى الأشياء مع الاحتفاظ بدينه وقوميته، وإذا الشيخ الذي كان يسكن في كفر الزغاري أو كفر الطماعين، يخطر في حدائق لكسمبرج وفي فرساي، وقد عرف الدنيا، وخبر أحوال الناس، وجمع إلى علمه الأثري تجارب واسعة، وعلما بالعالم صادقا.