تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجلس الشيخ وابنه والإنكليزي على مائدة الطعام، وحولهم النساء والفتيات، وبجانب الشيخ شابة طليانية بديعة الجمال نادرة المثال تعرف اللغة العربية، وبعد الفراغ يدور الحديث بين الإنجليزي والشيخ عن المرأة الغربية والمرأة الشرقية والعادات والتقاليد وأيها أحسن، فيصر الشيخ على استحسان عادات الشرق، وينشد قول الشاعر:

لا تأمنن على النساء ولو أخا

ما في الرجال على النساء أمين

إن الأمين ولو تحفظ جهده

لا بد أن بنظرة سيخون

ويصر الإنكليزي على استحسان عادات الغرب، وأن الحجاب لم يمنع المرأة في الشرق من العبث إن شاءت، ويدور بينهما حوار لطيف يمثل العقليتين المختلفتين، كالذي كان بين قاسم أمين وخصومه بعد.

ويحن الشيخ إلى زوجته فيطلب إليه الإنكليزي أن يكتب لها خطابا يرسل بالبريد، فيدور الحديث حول البريد قديما وحديثا، ويصف الإنكليزي ما وصل إليه الآن، ويصف الشيخ ما كان يفعله، إذ ينتظر يوما أو يومين ليجد من يسافر إلى بلده في المركب فيرسل معه الخطاب، وربما توجه إلى ساحل البحر (النيل) ليعثر على من يسافر فلا يجد فيرجع بخطابه، وإذا سهل المولى ووصل الخطاب فلا يأتي رده إلا بعد شهر، إن أتى ويفتتح الشيخ خطابه اللطيف لزوجته بقوله: «إلى السيدة المصونة والدرة المكنونة، ومن لا أصرح باسمها، ولا يغرب عن خيالي لطف طبعها ورسمها، قرة العينين، وزوجتنا إن شاء الله في الدارين».

ويركبون البحر فيصف الإنكليزي للشيخ البحر وعجائبه، وأنواع مخلوقاته، وفعل الهواء بالماء، ويمرون بالقرب من جزيرة صقلية، فيجدون الركاب وهم يلغطون وينظرون بالنظارات، فيسأل الشيخ، فيجيب الإنكليزي إنه البركان، ويصف له البراكين وأسبابها وأفعالها.

وعلى المركب يتعلم الشيخ علم الدين وابنه برهان الدين اللغة الإنكليزية، ويجدان، والصغير يسبق أباه الكبير في التعلم، لكثرة حركته ومخالطته للركاب والجهد في أن يكلمهم بما تعلم. •••

ها هم ينزلون في مارسيليا ويستريحون، ويعرض الإنكليزي على الشيخ أن يذهبوا الليلة إلى التياترو، فيعتذر الشيخ ويسمح لابنه أن يذهب، ولكنه يسأل: ما هو التياترو؟ فيشرحه له الإنكليزي شرحا وافيا من تاريخه وغرضه وأنواعه، فيقول الشيخ: إن هذا إلا نوع راق مما يسمى في بلادنا «أولاد رابية» فهم يقلدون أحوالا حاضرة أو أمورا ماضية، فهم يقبحون حادثة سيئة حصلت في الزمن الحاضر أو الغابر، فيبرزونها في قوالب الهزل والسخرية، وكثيرا ما يخرجون في ذلك إلى السخف والعيب والألفاظ البذيئة التي يأباها الذوق، فيقارن الإنكليزي بين «أولاد رابية» والتياترو، وأن الأول من خلق العوام الجهلاء، أما التياترو فمن نتاج الأدباء ورجال الفن.

واحتفظ الشيخ وابنه بزيهما الشرقي، فبرهان الدين يذهب إلى التياترو بعمامته وجبته وقفطانه، وكان جميلا فيسترعي الأنظار، ويعطيه الإنكليزي نظارة ينظر بها ويوجهها إلى من يستجمل، ويقع في حب لم يلبث طويلا بفضل نصائح والده.

واستعرضوا مرسيليا: مناظرها وقهواتها النظيفة الواسعة وكل شيء فيها، وحدث أن كان على المركب رجل إنجليزي اسمه يعقوب اتصل به برهان الدين وأحبه وأحب حديثه، وكان يعقوب هذا ممن غامر في حياته، وركب البحار وجاب الأقطار، ورأى من عجائب الدنيا الشيء الكثير، فاستهوى برهان الدين بأحاديثه وسأل أباه أن يرجو الإنكليزي، ليتخذه خادما له حتى يكون على مقربة منه يشبع حبه للاستطلاع، فتم ذلك وأصبح يعقوب أحد أفراد الأسرة، يمتعهم بحديثه عن كلب البحر والنوء والغرق والذهب واستخراجه والسباع والنمور والقردة، إلخ.

وهكذا دخل يعقوب في القصة ليؤدي مهمة التحدث بعجائب العالم وغرائبه وما شاهده في رحلاته.

ولقي الشيخ في مرسيليا رجلا هرما يتكلم العربية، فاستخبره حاله، فعرف أنه مصري وأنه كان من المصريين الذين التحقوا بجيش نابليون في مصر، وكان كثير منهم من القبط ونصارى الشام وبعض المماليك، فلما خرج الفرنسيون من مصر خرج بعض المصريين معهم، لأن أهل مصر كانوا يتوعدون كل من دخل في زمرة الفرنسيين بالقتل، فلما وصلوا إلى مرسيليا بقي بعضهم وذهب بعضهم يحارب في جيش نابليون، قال: وكنت ممن بقي في مرسيليا أزاول الأعمال، ولكن لما انقضت حكومة نابليون الأخيرة المعروفة بحكومة مائة يوم قام أهل مرسيليا على المصريين من مماليك وغيرهم - وكانوا نحو أربعمائة - فقتلوهم في وسط حارات مرسيليا وشوارعها قتلا شنيعا، ولولا أني كنت غائبا في ذلك الوقت لقتلت فيمن قتل، ولما عدت وجدت عيالي جميعا قتلوا مع والدتهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨٢