تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صورت القصة الشيخ علم الدين صورة طريفة، فهو شيخ طيب مسلم متمسك بدينه، مؤمن أتم الإيمان بالقضاء والقدر، لا يصدر عن عمل إلا بحكم الدين، وهو واسع العلم بما في الكتب، ولكن دنياه هي كتبه وبيته، والطريق بين الأزهر وبيته، ولا شيء غير ذلك، لم يركب القطار مرة واحدة في حياته، وعلى بيته لوحة تحدد رقمه في الحارة لم يعن مرة بأن يلتفت إليها ويعرفها، ولكن إن سألته عن الحكم في حادثة أفاض في الآيات والأحاديث التي تدل على حكمها، وإن سألته عن معنى بيت من الشعر تدفق في شرح مفرداته ومعناه وما يتصل به، والأقوال التي قيلت فيه، ومع هذا فللشيخ مزية كبيرة، هو أنه ذكي وأنه محب للاستفادة، وأنه سئول لما يجهل، مدرك لما يشرح.

هذا الشيخ على هذا الوضع سيسافر إلى إنجلترا مع إنجليزي خبير بالدنيا وشئونها كل الخبرة، واسع الاطلاع إلى أقصى حد، عرف الشرق والغرب، ودرس شئونهما والفوارق بينهما، وهو لطيف العشرة ميال إلى الإفادة والاستفادة، يرى دينا عليه أن يريح الشيخ ويفيده، ويوسع مداركه إلى أبعد غاية تستطاع.

هذا الشيخ علم الدين يسافر هو وابنه برهان الدين والإنجليزي، ويدق جرس القطار فيسأل الشيخ: ما هذا؟ ويتحرك القطار فيتحرك قلب الشيخ خوفا، ثم يرى الناس هادئين فيهدأ ويسلم أمره لله، ثم يعجب كيف تطوى الأرض طي السجل للكتب، وتسير العربات وما عليها كما قال الله تعالى:

وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ، ويسأل الشيخ الإنجليزي عن القطار وكيف يسير، فيشرحه له شرحا مفصلا من ضغط وحرارة وبخار، وتاريخ السكك الحديدية، وكيف أنشئت، وكيف تمت، وماذا أنفق عليها، ومتوسط عدد المسافرين فيها، والأرباح التي تأتي بها، وكيف أثرت في الزراعة والتجارة، فيعجب الشيخ من هذا الشرح، ويعجب مما كان يقوله بعض العامة في مصر أنها إنما تسير بقوة جماعة من الجن والشياطين مسخرين لها بواسطة العزائم والسحر والطلاسم.

وما أتم الإنجليزي كلامه حتى كان القطار قد وصل طنطا، فسأل الإنجليزي الشيخ عن السيد أحمد البدوي وتاريخه، فأفاض الشيخ في ذلك وفي مولده، فقال الإنجليزي: إن هذه الموالد ترجع إلى قدماء المصريين، وقد تكلم في ذلك هيرودت في تاريخه، ويؤخذ من وصفها أنها كانت مواسم دينية وسياسية، وكان يحضر فيها الملك أو من ينوب عنه من عائلته، وأنها كانت أشبه بالأسواق الرومانية أخذها الرومان عن اليونان، واليونان عن المصريين، وجميع هذه المواسم كانت مرتبطة بأوقات الزراعة، فلعل هذه الموالد التي عندكم أثر من تلك.

ويعود الحديث إلى السكك الحديدية، فيذكر تاريخها في مصر من أول عهدها إلى يوم الحديث، وينتهي الحديث بأن الإنجليزي يسأل الشيخ عن كلمات وردت في أثناء كلامه عن السكك الحديدية، كالدست والقدر والعربة، هل هي عربية، فيفيض الشيخ في الإيضاح، ويأتي بالشواهد من كلام العرب، ويستطرد ما شاء له الاستطراد، ويتجادلان في أن القدر مذكرة أو مؤنثة.

ووصلوا إلى الإسكندرية في أربع ساعات ونصف ساعة، فعجب الشيخ من هذه السرعة، فقد كانت هذه المسافة تقطع في أكثر من أربعة أيام، وفيما كان الشيخ يبدي هذا العجب سلم ساع ورقة إلى الإنجليزي، ففتحها وضحك، وقال: أتدري لم أضحك؟ إن هذه الورقة تلغراف من والدي بلندن، وبيننا وبينها ثلاثة آلاف ميل، وقد أرسله والدي منذ ساعتين - فأنسته سرعة التلغراف سرعة الوابور.

توجهوا إلى «اللوكاندة» فظنها الشيخ أنها بيت كبير للإنجليزي أو أحد أحبابه، لأنه لم ير مثل هذا قط، وعجب من نظافته وكثرة فرشه وسرره، وقال ابنه: لا بد أن يكون صاحبنا ذا مال كبير وثروة عظيمة، حتى يكون له منزل بهذه الحال، وعجب الشيخ من كل ما رأى: خيط نازل من سقف الغرفة يضغط عليه فيرن فيحضر رجل يسأله عما يريد! وقوم خارجون وداخلون! فلم يفهم سر ذلك كله حتى أفهمه الإنجليزي ما معنى «اللوكاندة» ففهم الشيخ أنها صورة مكبرة لما كان يعرفه عن الخان أو «الوكالة»، والإنكليزي يصف «اللوكاندات» وما وصلت إليه، والشيخ يصف «الوكالة» وترابها وقذارتها، وبقها وبراغيثها، وما قيل فيها من أشعار.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨١