تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووضع فكرة القصة، وأدخل فيها هذه الموضوعات كلها، وعهد إلى عبد الله باشا فكري، وكيله في المعارف، أن يشرف على لغتها، «ويهذب معانيها ويشذب مبانيها»، ففعل ذلك في أكثر الكتاب، «فجاء كتابا جامعا، اشتمل على جمل شتى من غرر الفوائد المتفرقة في كثير من الكتب العربية والفرنجية، في العلوم الشرعية، والفنون الصناعية، وأسرار الخليقة، وغرائب المخلوقات، وعجائب البر والبحر، وما تقلب نوع الإنسان فيه من الأطوار والأدوار في الزمن الغابر، وما هو عليه في الوقت الحاضر، وما طرأ عليه من تقدم وتقهقر، وصفاء وتكدر، وراحة وهناء، وبؤس وعناء ... مع الاستكثار من المقابلة والمقارنة بين أحواله وعاداته في الأوقات المتفاوتة، والأنحاء المتباينة».

رأى أن مصر واقفة في مدنيتها عند ما ورثت من القرون الوسطى إلا قليلا، وأن أوربا سبقتها بمراحل في جميع مرافق الحياة، وأن الخير لمصر أن يقف أهلها على كل ما وصلت إليه المدنية في أوربا؛ ليتخيروا منها ما يصلح لهم، ويدخلوا منها على نظامهم ما يرقي شئونهم.

ورأى أن النقد في مصر لا يستساغ ولا يباح، والناقد معرض لأنواع من الاضطهاد والعذاب.

ورأى أن التعليم بالقصص ألذ وأمتع، وأدعى إلى النشاط، وأبعد من الملال، وأن الناقد للشئون الاجتماعية في القصة أوسع حرية من الناقد الصريح، فالنقد فيها مألوف يجري على لسان غيره ولا يتعرض صاحبه لما يتعرض له الناقد الصريح، لهذا كله وضع هذه القصة.

بطل القصة شيخ من الأزهر اسمه الشيخ علم الدين، كان أبوه معلم كتاب في قرية من قرى الريف، علم ابنه ما يعلم في الكتاب، من حفظ للقرآن ومبادئ القراءة والكتابة، ثم رأى فيه من النجابة ما جعله يستخير الله ويرسله إلى الأزهر الشريف، فيزوده بالنصائح وبالزاد، ويسافر علم الدين في مركب مع قوم من أهل بلده يقضون فيه الأيام حتى يصلوا إلى القاهرة، ويذهب بخطاب من والده إلى صديق له في مصر يوصيه فيه بابنه، ويطلب منه أن يعرفه بمشايخ الأزهر ليعنوا بأمره، ويجد في طلب العلم، ويعيش على الجراية وعلى السهر في الختمات عيشة ضنكا، ولكنه يرضى بما قسم الله، ويخطر له الخاطر في الاعتراض على توزيع الغنى والفقر، وكيف يغتني الجهلاء ويفتقر العلماء، فيطرد هذا الخاطر سريعا، لأنها مشيئة الله الذي لا يسأل عما يفعل، والذي يجري الأمور بحكمة قد تدق عن الأفهام.

ويتم الشيخ علم الدين دراسته، ويجلس للتدريس، ويريد أن يتزوج، فيستخير الله في أن يتزوج غنية أو فقيرة، فتخرج الاستخارة على الفقيرة، ولو طلب الغنية ما أجابت، فيتزوج فتاة عاقلة دينة فقيرة جاهلة، فيعلمها ويجد في تعليمها حتى تصل قريبا من درجته في علمه، ويرزق منها بأولاد، ويلح الفقر عليهم فيألم الزوج وتألم الزوجة، ولكن كليهما يكتم ألمه، ثم يدخل الشيخ فيجد زوجته تبكي، فيسألها عن سبب بكائها فتداري، فيلح عليها، فتفصح أنه الفقر وسوء الحال، ويتدرج الحديث في سبب الفقر، فيذهب هو إلى أنه القضاء والقدر، وتذهب هي إلى أنه القانون الطبيعي، وأنه لم يسلك السبل الطبيعية لتحصيل المال ليكون غنيا، فلا بد أن يعمل عملا ما يكسبه مالا، ولو أدى إلى أن يذهب إلى بلده ليحل محل أبيه في تعليم أولاد القرية، أو نحو ذلك من الأعمال.

ويخرج الشيخ من بيته ضيق الصدر من هذا الجدال مفكرا في السفر إلى الريف كما نصحت زوجته، ثم تنفرج الأزمة، إذ يحضر رجل إنجليزي إلى القاهرة من المشتغلين باللغة العربية، ويلقى شيخ الجامع الأزهر ومعه رسائل من الأمراء والكبراء يوصون فيها شيخ الجامع بالرعاية له والعناية به، ويقص الإنجليزي على الشيخ أن عنده نسخة من لسان العرب لابن منظور يريد نشرها وطبعها، لعظم فائدة الكتاب، وأنه حضر إلى مصر لتصحيحها، وأنه يريد أن يدله الشيخ على أستاذ من أفاضل العلماء المتبحرين في تصحيح الكتب، ليعينه على عمله، وليقرأ عليه بعض العلوم العربية، وأنه مستعد أن يعطيه في نظير ذلك مرتبا يرضيه، وإذا اقتضى الحال أن يسافر معه إلى بلاد الإنجليزي استصحبه معه ، وضاعف له مرتبه، فسمى له شيخ الجامع جماعة من العلماء، فاجتمع بهم وحادثهم، وعرف ما عندهم، وعرض عليهم أمره، فمنهم من اعتذر لكبر سنه، ومنهم من رأى أن ذلك لا يجوز في الدين، ولكن الذي قبل وأعجبته الفكرة وأعجب به الإنجليزي كان هو الشيخ علم الدين، وعاد إلى بيته وشاور امرأته فشجعته على القبول وطلبت إليه أن يصحب معه أكبر أولاده «برهان الدين» وتم الاتفاق وتأهب الشيخ للسفر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٨٠