ويعجب الدسوقي من هذه الأسرة، فبيتها مدرسة عجيبة: هذا الشيخ عاكف على ترجمة القاموس، وهذان الابنان تعلمهما أمهما اللغتين التليانية والفرنسية، ويقرأ لهما خالهما النبيل، شرح ألفية النحو لابن عقيل، وأصغرهما وسنه 15 سنة يجيد معرفة الهيروغليفية.
ويعجبني قول الشيخ: «فانظر يا ذا الكسل، الذي هو أحلى مذاقا من العسل، إلى هذا الاستعداد العجيب، والجد الغريب».
وانطلت الحيلة على الشيخ الدسوقي، فكان يعتقد أن «لين» يؤمن بالجن وكرامة الأولياء، ونبوة محمد، ونبوة عيسى، ويعجب أنه بعد ذلك كله لا يسلم، ولم يدر بخلده أن ذلك منه كان سياسة وقتية.
فإن أردت أن تعرف رأي أحدهما في الآخر، فرأي الدسوقي في «لين» أنه «لبيب ماهر»، «ذو غيرة إنسانية»، «كريم مواس»، «رقيق القلب، خالص الود»، «لا يؤثر في حسن معاملته للناس اختلاف الدين».
ورأي «لين» في الدسوقي أنه يرضى كل الرضا من ناحيته العلمية في العمل الذي يعمله معه، ولكنه يأخذ عليه من الناحية الخلقية أنه «حاد المزاج، ضيق الصدر، طماع بخيل».
وهو رأي قاس ونقد لاذع، ولا شك أنه عبر عن عقيدته فيه، ولكن أخشى أنه لم يرحمه في الحكم عليه، فلم يقدر ظروفه وأحواله، ونشأته الفقيرة وأسرته الكبيرة، وموارده الصغيرة. •••
بعد مضي سبع سنين تدخل الزمن الذي لم يبق شيئا على حال، فدعت الدواعي الملحة أن يعود «لين» إلى بلاده ولما يتم العمل، قال الشيخ: «وقضينا معا حقبة من الدهر ناضرة، في عيشة زاهية زاهرة».
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام
وقبل الرحيل أهدى «لين» الشيخ الدسوقي سجادة عظيمة ونسخة من القاموس وساعة جيب، وقاس نظره وبعث فأحضر له من لندن «نظارة» لائقة بعينيه، وأهداه ابنا أخته «خرجا عجميا شغل الإبرة».
وكلفه أن يتمم العشر الباقي من تاج العروس، يقابله على النسخ الأخرى، ويصحح خطأه، ويفسر غامضه فكان يفعل ذلك ويسلمه إلى مستر ليدر،
2
ليرسله إليه في إنجلترا حتى تم الكتاب.
عاد «لين» إلى إنجلترا سنة 1849 فعكف على العمل بمثل الجد الذي كان منه في مصر، حتى أنفق فيه عشرين عاما أخرى، ثم بدأ في طبعه سنة 1863، وظل يعمل في تصحيح التجارب إلى أن وصل إلى نصف الجزء السادس سنة 1876.
يعمل ليل نهار في حياة راتبة بين ملزمة تحضر، وملزمة تصحح، وجزء يتم ثم ينشر، لا ينقطع عن عمله إلا يوم الأحد، إذ يصرفه في الدين، فيصلي مع المصلين ، ثم يعكف على قراءة الكتاب المقدس لا ناقدا علميا، ولا ناقدا لغويا، ولكن مستخرجا معنى خلقيا، أو مبدأ روحيا، لقد كان يصلي في مصر في المسجد مع المسلمين، وكان يصلي في إنجلترا في الكنائس مع المسيحيين، والدين كله لله.
وفي يوم من أيام أغسطس سنة 1876 أصيب ببرد لم يعبأ به، ثم اشتد شدة لم تكن تتوقع، ثم انطفأت شعلته على غير انتظار.
مات عن خمسة وسبعين عاما قبل أن يموت صديقه الدسوقي بستة أعوام.
ولعل هذه العلاقة بين الدسوقي الأزهري و«لين» الإنجليزي كانت السبب في أن يضع «علي باشا مبارك» بمعونة صديقه «عبد الله باشا فكري» قصة طويلة ممتعة نسيها الأدباء - من غير حق - في تأريخهم القصة المصرية الحديثة، أتحدث عنها بعد.
| قصة علم الدين
يظهر لي أن علاقة الشيخ الدسوقي بالأستاذ «لين» أوحت إلى علي باشا مبارك أن يضع قصة طويلة ممتعة ظلمها مؤرخو الأدب العربي عند تاريخ القصة، فأهملوها أو جهلوها، مع أني أعتقد أنها أول قصة مصرية قيمة ألفت في العهد الحديث، قصة قيمة من حيث موضوعها ومن حيث لغتها، وهي طويلة تقع في نحو ألف وخمسمائة صفحة في أربعة أجزاء، ولم تتم.
كان علي باشا مبارك وقت تأليفها «ناظر المعارف»، أو على حد تعبيرنا اليوم «وزير المعارف» فحشد جمعا كبيرا من المدرسين ورجال العلم في مصر ليعمل في هذه القصة، ووضع لها خطة محكمة، هي أن يحصروا أهم مظاهر المدنية الحديثة، كالسكك الحديدية والبريد والملاحة والتياترو والبورصة والبنوك وأوراق المعاملات ووسائل الإضاءة إلى غير ذلك، ثم أن يحصروا أهم المعلومات التي يجب أن يعلمها الإنسان المثقف، وآخر ما وصل إليه العلم فيها كالبحر وعجائبه والبراكين، وعجائب الحيوان، كدود الخشب ودود القز وكلب البحر، والذهب والأحجار الكريمة، والفلاحة والزراعة، وطبقات الأرض، وأشهر النباتات وما يستخرج منها كالقطن واللبن والعنب والأشربة والكؤول، والموضوعات الاجتماعية كعادات الأوربيين في مأكلهم وملبسهم ومجتمعاتهم، وعادات المصريين في ذلك، ثم موضوعات أدبية كالسلف والخلف في الإسلام، والميسر والأنصاب والأزلام، ومعنى المعلقات، وتاريخ القهوة والحشيش، والموالد والأعياد والمواسم، إلى غير ذلك، وكلف كل إخصائي في موضوع أن يكتب له فيه.