على هذا التقى «الدسوقي» و«لين»، ولكن ألف بينهما الغرض العلمي واللسان العربي، ورغبة «لين» أن يتعرف كل ما عند الدسوقي من أفكار وعادات وعقائد ، ليدرسها لا ليحياها، وليشرحها لا ليعتقدها، وأن يعرف ما عنده من علم ليستعين به على أداء غرضه والوصول إلى غايته، ومهما كان من فوارق فالماء الحار والبارد إذا تلامسا وامتزجا تعادلا ونزل الحار عن شيء من حرارته، والبارد عن شيء من برودته، فهذا «لين» يعتاد أن يقول «باسم الله» في مبدأ عمله، ويلتزم ذلك في حياته حتى بعد عودته إلى إنجلترا، وهذا الدسوقي يدخن «البيبة» في شكل «شبك».
كان يذهب الدسوقي عصر كل يوم إلى بيت «لين» فإذا جلس قليلا حضرت صينية الشاي عليها أربعة فناجين كبار مملوءة شايا وقهوة محلاة بالسكر، لكل منهما اثنان وملعقتان لكل منهما معلقة، ورغيفان مستطيلان لكل منهما رغيف، فيشربان ويأكلان ويتحدثان، فإذا تم ذلك أحضر شبكان مكسوان بالحرير المقصب لكل منهما شبك، فيدخنان ويقرآن، فإذا بدآ القراءة فلكل منهما نسخة من الكتاب، وضعت على سطح مائل، يقرآن ويراجعان ويتفهمان، إلى أن يتم نصف الكراسة فينصرف الشيخ، ثم يأخذ «لين» في ترجمة ما فهم إلى الإنجليزية، فتسير الترجمة مع القراءة، ويستمران على هذا سبعة أعوام لا يكلان ولا يملان، والشيخ «لين» جاد في عمله، قد يمكث في بيته الشهر أو الشهرين أو الثلاثة لا يخرج فيها مرة، يعمل في الصباح بعد الفطور إلى نحو نصف الليل، لا يستريح فيها إلا أوقات الأكل، ونحو نصف ساعة يتروض فيه بين مشي وصعود الدرج وهبوطه، حتى أتم تسعة أعشار الكتاب.
ولندع الآن حديث ما بينهما من عمل علمي رسمي، لنتحدث حديث ما بينهما من عواطف، لقد تأكدت بينهما الصداقة وتوثق بينهما التآلف.
هذا الشيخ الدسوقي يظل طول عمره كادا يحصل قوته وقوت عياله، ويدخر القليل حتى يبلغ ما يدخره أربعة عشر كيسا،
1
فيعتزم أن يشتري بها بييتا يؤويه وذريته، وهو يحتفظ بها في صندوق البيت، ويوصي السمسار أن يبحث له عن منزل مناسب، فيريه هذا فيراه قديما، وهذا فيراه كبيرا، وسرعان ما يشيع الحديث أن الشيخ اغتنى، وأنه يبحث عن بيت يشتريه، وتصعد الرائحة إلى أنف اللص، فيتربص خروج الشيخ وغفلة أهل البيت، ويتسلل إلى الصندوق ويختلس المال، فيعود الشيخ وقد ضاع المال، فيضرب كفا على كف، ثم ينفعه إيمانه فيردد: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
ويذهب إلى صديقه، فيراه «لين» مرتبكا فيقص عليه قصته، فتدمع عين «لين» ويبكي رحمة بالشيخ، ويحلف أن لو كان له مال لعوضه عما فقده في الحال.
كذلك يصاب الشيخ «لين» بمثل هذه المصيبة، فيكون له مال مودع في بنك في إنجلترا يسحب منه كل شهر ما يلزمه، فيفلس البنك ويقع «لين» في الضنك، وكان أخشى ما يخشاه أن يصد عنه الدسوقي، ويتخلى عنه إذا لم يأجره، فما كان من صديقه الدسوقي - وقد علم بهذا الأمر - إلا أن يصرف عنه هذا الخاطر - وأن يعاهده أن يستمر في تدريسه بل يزيد في اجتهاده، قال الشيخ: «وما زلت أوافيه على العادة، التي كانت بيننا معتادة، بل زدت على ما كان، فشكرني على هذا الإحسان، حتى قيض الله له ناسا من أهل لوندرة، ذوي ثروة معتبرة، فوضعوا له في البنك ما يرد منه ما يكفيه، فأجرى إلي ثانيا ما كان يجريه»، وهكذا كان الشيخان يتبادلان العطف والوفاء طوال السبعة الأعوام.
كان الشيخ «لين» يعيش في أسرته وهي مكونة من زوجة له رومية وأخته وابني أخته، وكانت زوجته وأخته تلبسان لباس المصريات، فلا تخرجان إلا مؤتزرتين مبرقعتين، فلم ير الشيخ الدسوقي لهما وجها مع كثرة تردده وتودده، ومع هذا كان إذا مرضت زوجه أو أحد أولاده، ذهبت أخت «لين» إلى بيت الدسوقي فعالجت ومرضت، وأعطت من الدواء ما عرفت حتى يتم الشفاء، ويشكره الشيخ.