تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان ماهرا في فن التصوير، فصور بيده كل ما يعنيه من الصور: الرجل في صلاته، والمرأة في بيتها، والسقاء بقربته، وحفلات الذكر، وأدوات الزينة، وآلات الغناء، وأنواع الحلي، إلى أن أتم 131 صورة أودعها كلها في كتابه الذي نشره سنة 1836.

كما عكف على ترجمة «ألف ليلة وليلة»، ولعل ذلك لأنها تتم حلقة عمله في العادات والأخلاق، فألف ليلة تمثل الحياة الاجتماعية الإسلامية في القرون الوسطى، وكتابه الذي أسلفنا يمثل الحياة الاجتماعية في مصر الحديثة، نشره سنة 1838-1840.

هذا هو «لين» قبل أن يتعرف بصديقه «الدسوقي»، ثم عمل «لين» تصميما لعمل خطير، هو أن يضع معجما للغة العربية باللغة الإنجليزية، أساسه ترجمة القاموس مع شرحه تاج العروس، وهذا يتطلب أن يفهم القاموس المحيط فهما جيدا، وهو صعب الفهم حتى على أهل العربية، وهو أيضا يقتضي نسخة صحيحة ما أمكن من القاموس، ثم تراجع على سائر النسخ ليتثبت من صحتها، ثم إذا وصل إلى نبات أو حيوان - وما أكثرها في القاموس - وجب أن يعرف مقابلها بالإنجليزية، وإذا اعترضته عبارة غامضة حل غموضها وهكذا، عمل شاق لا يستطيعه إلا رجل جبار، وليس يمكن ذلك إلا في مصر بلد العلم العربي، وهي - أيضا - حارة الجو جافته تناسب المصدورين أمثال «لين».

وضع خطته للسفر وبعث إلى صديقه «فرسنل» ليتخير له معينا، فكان هو الشيخ الدسوقي - كما أسلفنا.

حضر إلى مصر لثالث مرة سنة 1842، وكان عمره إذ ذاك 41 سنة، ولكن الشيخ الدسوقي قال: «وفد علينا في عقد الخمسين من البلاد الشاسعة، ذات المعارف الواسعة، والصنائع البارعة، والتحف الرائعة ... إنسان قد وخطه الشيب، وليس في لسانه لكنة ولا عيب، طويل القامة، كبير الهامة، تلوح عليه الأمارة، فصيح العبارة، كأنه عدناني أو قحطاني، إلا أنه ذو زي عثماني، لا يتكلم إلا بفصيح الكلام، وله بفنون الأدب إلمام».

اعتاد «لين» أن يسكن في الأحياء «البلدية» فكان يسكن في «حارة السقايين ثم في حارة قواديس» ودعا الشيخ الدسوقي أن يزوره في بيته، وعند أول لقاء عرفه بغرضه، وعرض عليه منهج العمل في القاموس، وطلب إليه أن يحضر إليه كل يوم عصرا، ورتب له كل شهر مبلغا من المال فوق ما كان يؤمل الشيخ الدسوقي، وشرعا - على بركة الله - في العمل.

أعد «لين» مكتبة يستعين بها على عمله، فعنده نسختان خطيتان من القاموس، ونسختان من الصحاح، ونسخة من تاج العروس شرح القاموس، وبعض نسخ أخرى، ونسخة من لسان العرب، يظن الدسوقي أنها بخط المؤلف، وأجزاء من المحكم لابن سيده، وكثير من دواوين الشعراء، والمزهر للسيوطي.

واقترح «لين» أن يبدأ بمطالعة المزهر حتى يتذوق اللغة وحدودها، ثم يقرأ كل يوم نصف كراسة من تاج العروس شرح القاموس يفهمها ويستفسر عما صعب منها ويراجعها على ما عنده من كتب اللغة حتى يستوثق من صحتها، وعلى هذا تم الاتفاق.

في حجرة في بيت «لين» في القاهرة كان يجتمع شيخان تباينا في المنشأ والتربية والعقلية، والنظر إلى الحياة: هذا إنجليزي تربى على آخر طراز، وعرف الدنيا وشئونها ودقائقها، وجاب البلاد شرقها وغربها، وبرها وبحرها، وخالط ساستها وعلماءها، ووصل من ذلك كله إلى غاية ما يستطيع مثقف أوربي في القرن التاسع عشر أن يصل إليه، وهذا شيخ مصري قضت طبيعة تعلمه ومنشئه وظروفه أن يعيش في دنيا محدودة الأفق، وكان الشعب المصري لا يزال محتفظا في عيشته وتقاليده وعاداته بما ورثه من القرون الوسطى، لم تغزه المدنية الغربية كما غزته بعد، ولم تتكسر الحدود والفواصل بينه وبين الغرب كما تكسرت بعد، وكانت مصر تتخذ قبلتها بغداد الرشيد، وقاهرة المعز، قبل أن تتحول فتتخذ قبلتها باريس أو لندن، فكان الشرقي يدهشه الغربي بتصرفاته وأفانينه، وكان الغربي يعجبه منظر الشرقي كما تعجبه العاديات القديمة، وكما يعجبه متحف الآثار.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٧٧