تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي يوم من تلك السنة اعتزم الشيخ الدسوقي الذهاب صباحا إلى حمام السوق، وكانت عادة أوساط الناس وفقرائهم أن يترددوا على الحمام، إذ لم تكن بيوتهم صالحة للاستحمام فيها، فكان لكل حي حمامه، كما أن لكل حي مسجده ومرافقه، وكان الشيخ الدسوقي إذا أراد الحمام يخرج من بيته فيخترق خان الخليلي ثم ينحرف إلى حمامه.

مر كعادته بخان الخليلي حتى وصل إلى دكان يتاجر في العاديات القديمة والسبح وما إلى ذلك، كان صاحبه صالح أفندي كامل صديقا له، فوجد الشيخ في الدكان جمعا سلم عليهم، وسمع صاحب الدكان يقول: هذا هو الشيخ الدسوقي كفانا مؤنة البحث عنه، فسلم الشيخ عليهم، وسلم على رجل غريب معهم يلبس زي الأتراك، ويتكلم العربية الفصحى كأهلها.

عجب الشيخ من حسن استقبال هذا التركي، واستغرب، إذ يقبل عليه بالسلام كأنه يعرفه، والشيخ لا يعرفه، ثم عرفه بنفسه وأنه «لين» الإنجليزي، فذهبت حيرته، وجلسا جنبا إلى جنب، وتعارفا وتآلفا، ودعاه «لين» إلى زيارته في بيته في هذا المساء، فلبى دعوته، وكانت عشرة لطيفة عجيبة دامت سبع سنوات.

2

أما صاحبنا إدورد وليم «لين» فكان أكبر من صديقه الدسوقي بنحو عشر سنوات، إذ ولد في «هير فورد» بإنجلترا سنة 1801، وكانت أمه متينة الخلق لطيفة الطبع، فورث منها - كما كان يقول - كثيرا من حسن استعداده واستقامة تفكيره، تعلم في مدرسة بلده، ثم أريد أن يكون رجل دين، فأبى ذلك وتخصص للاستشراق، فجد في التعلم والبحث حتى ساءت صحته، فنصح أن يذهب إلى مصر، فجاءها لأول مرة شابا سنة 1825، وجعل همه أن يدرس اللغة العربية في أماكنها، وأن يدرس حالة الشعب المصري وأخلاقه وعاداته وثقافته وكل ما يتصل به، فمكث في ذلك ثلاث سنين، متزييا بزي الأتراك، متسميا «منصور أفندي زاده»، ساكنا في الأحياء الوطنية، متنقلا بين القاهرة والنوبة، فكتب في ذلك ما شاء من التعليقات واليوميات والملاحظات وعرضها على جمعية في إنجلترا بعد عودته، فاستحسنتها وأشارت بطبعها، ولكنه رأى أنها ناقصة تحتاج إلى إكمال، فعاد ثانية إلى مصر سنة 1833 ومكث فيها نحو سنتين قضى أكثرها في القاهرة وأقلها في الصعيد، باحثا منقبا عن العادات والأخلاق، مصححا ما دون من قبل.

وضع للوصول إلى هذا الغرض برنامجا دقيقا، فقد تعلم العربية حتى استطاع أن يتفاهم مع الشعب ويفهم منه، والتزم أن يعيش كما يعيش المسلمون، ويتعود عاداتهم، وحتى لا يثير شكوكهم، كان يصوب آراءهم ويمدح عاداتهم ما طاوعته نفسه، ويتجنب مخالفتهم وما يستوجب كراهيتهم، ويمتنع عن أكل ما لا يأكلون أو شرب ما يحرمون، فلا يأكل خنزيرا ولا يشرب نبيذا، بل تجنب حتى ما لا يعتادون ولو أباحه الدين، فلا يستعمل في أكله أمامهم شوكة ولا سكينا، ومكنه ملبسه وكلامه وعاداته ومظهره بمظهر الإسلام أن يدخل المساجد، ويشهد الموالد، ويرى الشعائر ويشترك في شهود الأعياد والمحافل، وكان يشعر بتحفظ المصريين عن الكلام في الجن وكرامات الأولياء والسحر وما إلى ذلك أمام من لا يعتقدها، فكان يتسقط من بعضهم كلامهم في هذا الموضوع، ويتظاهر بالاعتقاد فيه والإيمان به، ويحدث مستمعيه ببعض ما سمع، زائدا عليها من خياله، حتى يأمن محدثه جانبه فيفيض عليه من أحاديث الجن والكرامات، والسحر والمغيبات، ما يملأ رغبته ويحقق مطلبه، ويقفه على ما يدور برءوس عامة المصريين من هذا الباب، فكان يحدث عن أحداث رأى فيها الجن، وكان يقول: إنه يعتقد في الشيخ «أحمد الليثي» الذي كان يمشي حافيا في ركاب «الشيخ العروسي» أنه من أهل الكرامات، لأنه يحدث بأخبار لندرة في مواعيدها قبل أن يأتيه البريد بها، يستجلب بذلك كله أحاديث الناس في مثل هذه الموضوعات وتوسعهم فيها، كما كان يحدث خاصته من المسلمين بأنه يعتقد في عيسى - عليه السلام - أنه رسول لا إله، وفي محمد رسول الله سيد ولد عندنان، واختار شيخين مسلمين يأجرهما ليزيدا في تعليمه العربية، وليستقصي منهما الأخبار والآراء، وليستفسر منهما عما يتوقف فيه، وليعرض عليهما ما وصل إليه ليصححا خطأه إن كان، وصادق بعض الكبراء والعظماء والأغنياء، وكثيرا ما كان يتردد على الشيخ العروسي والشيخ العطار، ويفتح بيته للزائرين والمترددين، ويغدق عليهم من كرمه ، ويقدم لهم القهوة والدخان، ويدعوهم للغداء والعشاء، وتتردد أخته على قصور الأمراء فتتعرف عاداتها ودخائلها، وهكذا عمل كل ما يستطيع للوقوف على كل شيء في مصر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٧٦