تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتقلت هذه المدرسة بعد إلى بولاق، فعهد إليه أمران: أن يعلم فرقتين من طلبة المهندسخانة اللغة العربية ليحسنوا الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وأن يصحح ما تطبعه هذه المدرسة من كتب الرياضة.

وظل الشيخ يسكن في حي الأزهر، ولكنه اشترى حمارا يذهب به كل يوم إلى المدرسة ببولاق.

ثم أغلقت مدرسة المهندسخانة في عهد سعيد باشا، فحول الشيخ الدسوقي إلى المطبعة الأميرية ببولاق أيضا ليصحح فيها الكتب ويشارك في تحرير الوقائع المصرية.

خرجت كتب كثيرة من المطبعة الأميرية تحمل اسمه، فهو في آخر كل كتاب يصححه يضع له خاتمة بأسلوبه المسجوع حسب مألوف عصره، ولما كان لقبه «الدسوقي» - وهي كلمة صعبة في المزاوجة - كان يجهد نفسه في البحث عن سجعة تناسب هذا اللقب، وأحيانا يفر منها إلى سجعة أسهل منها تناسب عبد الغفار، فيقول - مثلا - في آخر تاريخ ابن الأثير: «يقول المتوسل إلى مولاه بالنبي المختار، إبراهيم الدسوقي الملقب بعبد الغفار، خادم تصحيح كتب العلوم والفنون، بدار الطباعة ذات الطبع السليم المصون».

وفي آخر كتاب «تزيين الأسواق»: «يقول المتوسل إلى مولاه بالقطب الحقيقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي».

وفي آخر كتاب «الإنسان الكامل»: «يقول المتوسل إلى الله بالجاه الصديقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي»، وفي آخر شرح العكبري: «يقول المتوسل إلى الله بالجاه الفاروقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي».

وفي كل ذلك يدعو للخديو إسماعيل وأنجاله الكرام، كما يدعو لذوي المهارة والفطانة، مدير المطبعة والكاغدخانة، وملاحظ المطبعة ذي القدر الممجد، أبي العينين أفندي أحمد.

وقد خرجت كتب كثيرة مختتمة بكلمته الدالة على تصحيحه غير ما ذكرنا ككتاب «منار الهدى في الوقف والابتدا»، وصحيح مسلم، وصحيح الترمذي، وقانون ابن سينا في الطب، والتنوير على سقط الزند، إلى غير ذلك.

وقد وضع خاتمة لكتاب الكشاف المطبوع في بولاق ذكر فيها ترجمة الزمخشري وقيمة تفسيره.

ثم رقي في عهد الخديو إسماعيل إلى وظيفة باشمصحح المطبعة، ولم أعرف مرتبه بالضبط إلا أن أمثاله في ذلك الوقت كانوا يتقاضون خمسمائة قرش، وقد ظل فيها إلى أن أحيل إلى المعاش، ثم توفي سنة 1300ه/1882م عن نيف وسبعين سنة.

والحق أن طائفة من العلماء غبنوا حقهم، ولم يؤرخوا التاريخ الواجب لهم، وهم المصححون، فقد كانوا يمتازون في عصرهم بثقافة أوسع من أمثالهم، واقتضاهم عملهم أن يطلعوا على كثير من الكتب في التاريخ والأدب واللغة والفلسفة وغير ذلك، فاتسعت مداركهم وآفاقهم، واضطرهم عملهم أن يكتبوا خاتمة الكتب، أو شرحا لغامض، أو أن ينشئوا تقريظا لكتاب، أو تعليقا عليه، أو قصيدة في مثل هذه الأغراض، فجرت أقلامهم، ومرنوا على الإنشاء والكتابة في زمن عز فيه الأديب، وندر فيه الكاتب، وإن كان إنشاؤهم وكتابتهم مقيدة بنمط العصر من التزام السجع المتكلف، والاستعارة المشدودة، وما إلى ذلك.

اشتهر من هذه الطبقة الشيخ نصر الهوريني، ثم الشيخ محمد قطة العدوي، ثم الشيخ إبراهيم الدسوقي، ويظهر أنهم كانوا في درجة علمهم وأدبهم كما كانوا حسب ترتيب زمانهم.

نشروا كثيرا من الكتب القيمة، ولقوا في تصحيحها العناء، وأذهبوا في مسوداتها سواد عيونهم، وهم وإن لم تبلغ كتبهم منتهى الجودة من حيث الإخراج والضبط، فقد بذلوا غاية جهدهم، وجعلوها صالحة للاستفادة منها، واستخرجوها من أصول سقيمة، وخطوط عليلة. •••

حدث للشيخ الدسوقي حادث كان له في حياته أثر، وفي قصصه متعة: ففي سنة 1258ه/1842م، كتب المستشرق «لين» “Lane”

من لندن إلى صديق له فرنسي مستشرق أيضا في القاهرة يسمى «فرسنل» “Fresnel” (كان يتملح باسمه أمام العلماء ويقول: إن اسمي فرسنل على وزن فرزدق) يخبره بعزمه على المجيء لعمل هام، ويطلب إليه أن يبحث له عن شيخ مصري له ذوق في الأدب ومعرفة به، وأن يكون لطيف الحديث حسن العشرة دمث الأخلاق، فاختار له «فرسنل» جملة أشخاص وصفهم له، منهم الدسوقي، وكان «فرسنل» يعرفه ويتصل به، ويعمل معه في شرح شواهد كتاب «الصحاح» في اللغة، وكتب إلى «لين» بوصفهم، فوقع اختياره على الدسوقي وبعث يطلب إلى «فرسنل» أن يبلغه سلامه ويخبره بمقدمه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٧٥