وكثيرا ما أدت هذه العصبية - حتى في أيامنا بالأزهر - إلى منازعات، فإذا كانت بين صعيدي وبحيري انتظم معسكران: معسكر للصعايدة ومعسكر للبحاروة، ودار الضرب بجميع الأسلحة الممكنة، إلا الحديد والنار، والحق يقال إن الصعايدة كانوا أشد بأسا وأكثر انتصارا، فكانوا أعز جانبا وأعظم هيبة، وكثيرا ما يتقى قتالهم بإجابة مطالبهم.
على كل حال اتصل إبراهيم الدسوقي بعلماء بلده وغيرهم من علماء عصره، كالشيخ محمد عليش شيخ المالكية، والشيخ محمد الشبيني، والشيخ عبد الرحمن الدمياطي.
وحضر - على حد تعبيرهم - علوم المعقول والمنقول، فنحو وصرف، وبلاغة وتفسير، وحديث وفقه، ومنطق وتوحيد، كما يحضر كل طلبة الأزهر، ولكن يظهر أنه تأثر تأثرا خاصا برجلين من شيوخه كانت لهما نزعتان خاصتان نادرتان في علوم الأزهر في ذلك العصر.
أولهما شيخه وقريبه وبلديه الشيخ مصطفى البولاقي، فقد كان هذا الشيخ مع تبحره في العلوم الأزهرية ميالا إلى العلوم الرياضية، كالحساب والهندسة والفلك، وأداه شغفه بهذه العلوم إلى مصادقة مشهوري الرياضيين، مثل محمود باشا الفلكي، وأساتذة مدرسة المهندسخانة، ومهر في هذه العلوم حتى ألف رسائل كثيرة في الجبر والمقابلة وحساب المثلثات.
والثاني الشيخ أحمد المرصفي - والد الشيخ حسين المرصفي صاحب الوسيلة الأدبية - فقد كانت له نزعة أدبية إلى نزعته الفقهية، واسع الاطلاع، وكان سميرا لطيفا، ومحدثا ممتعا، صحب أحد مماليك محمد علي باشا وسافر معه إلى الصعيد، وأقام معه سنتين، فكان خبيرا بالدنيا وشئونها، وكان مهيبا في درسه، إذا عرض لطالب سعال ابتعد حتى لا يؤذي الشيخ بصوته.
اقتبس شيخنا الدسوقي قبسة رياضية من شيخه الأول، وقبسة أدبية من شيخه الثاني، أفادتاه في عمله بعد، كما اقتبس العلوم الشرعية واللسانية والنحو والصرف والبلاغة من شيوخه الآخرين. •••
عاش الدسوقي في الأزهر مجاورا فقيرا، يأتيه الزاد من بلده من حين إلى حين، خبز جاف وقليل من السمن وشيء من الفريك، ونحو ذلك مما يرسله الأهل الفقراء إلى أبنائهم في الأزهر، وسكن مع رفقة من أهل بلده في حجرة قريبة من الأزهر، إذا دخلتها رأيت حصيرا باليا، ومسامير كبيرة سمرت في الحائط يعلق فيها الطلبة ملابسهم، وفي الركن صندوق يحتفظ فيه الشيخ بكتبه وملابسه وفرشة يفرشها إذا نام ويطويها إذا قام، وهذا كل ما في الغرفة - أستغفر الله - ففي الغرفة أيضا «حلة» وصحن، قد يشتهي هو صحبه اللحم فيشتركون في شراء رطل، ويتعاونون جميعا على شرائه وطبخه، وتقوم في الغرفة حركات عنيفة، ونداآت وأوامر ونواه، وتمتلئ الغرفة بالدخان، وقد يعوزهم الخشب فيتممون الطبخ بالورق، ثم يتحلقون لأكله في لذة ونهم، وتكون هذه الأكلة الفخمة حديث الأسبوع أو حديث الشهر.
وتنفرج الأزمة بعض الشيء بالجراية ترتب له، ثلاثة أرغفة كل يوم، فيكون فيها سداد من عوز، ويدخر منها أحيانا، ويبيع ما يدخره ليشتري بثمنه إداما لبعضه الباقي.
ويجاهد في الحياة، وينسى البؤس بلذة العلم والتحصيل، حتى يتم دراسته في الأزهر ويبدأ في التدريس، وليس للمدرس مرتب يتقاضاه، فهو في فقره مدرسا - كما كان في فقره طالبا.
ثم يسعده الحظ، فيعين «مساعد مصحح» للكتب الطبية في مدرسة أبي زعبل سنة 1248ه/1832م فكان أطباء هذه المدرسة يؤلفون ويترجمون ويطبعون، ويساعد هو في تصحيح اللغة وتصحيح الطبع.
ثم ينقل إلى مدرسة المهندسخانة ويترقى إلى وظيفة مصحح، وكان يدرس بهذه المدرسة علوم شتى، فميكانيكا وديناميكا، وتركيب الآلات، والجبر، وحساب التفاضل، والطبوغرافيا، والكيمياء، والطبيعة، والمعادن، والچيولوچيا، والهندسة الوصفية، وقطع الأحجار والأخشاب، والظل والنظر، ولم تكن هناك كتب في هذه المواد، فكان التلاميذ يكتبون عن المدرسين ما يسمعون في كراريسهم، ويفوتهم منها أشياء كثيرة، ثم تقدمت المدرسة فأنشأت مطبعة حجر يطبع عليها الأساتذة بعض كتبهم بأشكالها ورسومها، ثم أنشئت في المدرسة مطبعة حروف بجانب مطبعة الحجر، وتعين الشيخ الدسوقي لتصحيح هذه الكتب.