قال أحد الأعضاء: عفوا عفوا - أيها الوزير - لقد أخطأنا في رأينا، وتبنا عما جنينا، فانبرى له شيخ شديد المنة قوي العارضة، يسمى «ابن حيونه»، وقال: عم تتوب يا شيخ السوء؟ نحن برآء إلى الله من مقامك، والتفت إلى الوزير وقال: بئس ما بلغت، وليس فينا وصف مما ذكرت، إنا أعلام الهدى وسرج الظلام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتنفذ الأحكام، فإن كان من يتصف بما وصفت فأنتم، إن كان قد نطق أمير المؤمنين حقا بما نطقت فكان أولى أن تنصحه في قوله وألا تفشي سره، فإن كنت ولا بد مبلغا فجاملنا، ولا تقابلنا بما استقبلتنا، نحن على يقين أن أمير المؤمنين سيراجع بصيرته ويعاود رأيه، ولو كان الأمر ما قال فينا لبطل كل ما صنعه، فهو لم يثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس (وقف) ولا هبة ولا عتق إلا بنا وبشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام.
ووقف وتبعه الأعضاء، وخرجوا جميعا من القصر غاضبين، وشاع الخبر في الناس، فغضبوا لهم وأسفوا لإهانتهم، وأصبحت الحادثة حديث الناس ومجال التعليق.
وعاود الناصر فكره، ورأى فيما حدث خطورته، فاعتذر إليهم وترضاهم وأكرمهم، واعتذر عما فعل الوزير معهم.
ولكن بقي «المستشفى» غصة له، وزاد الأمر سوءا أن لم تصبح المسألة مسألة مستشفى فحسب، بل أكبر من ذلك هزيمته وعلم الناس بها، وهو المحارب الذي لم يعتد الهزيمة في الحروب.
ظهر في الميدان «أبو لبابة» رجل واسع العلم واسع الذمة، قوي العقل ضعيف الخلق، ماهر في التأليف، ماهر في التأويل، يؤلف كتاب «المنتخبة» في الفقه فيقول المالكية: إنه قل أن يكون له نظير، وهو مع هذا شره في المال، ضعيف الإيمان بالعدل، ولي قضاء «ألبيرة» فأساء السيرة حتى ضج الناس منه فعزل، وكان عضوا في مجلس الشورى فأخذ عليه أنه يفتي للمال، ويتأول للطمع، فعزله الناصر منه وألزمه بيته، ومنعه أن يفتي أحدا.
وجد «أبو لبابة» الفرصة سانحة، فكتب إلى الناصر يذكر له أنه محق في وجهة نظره، وأن مجلس الشورى متزمت، متعنت، ولو كان عضوا من أعضائه لاستطاع إقناعهم واستخراج الرأي الموافق منهم.
أعاده «الناصر» لمجلس الشورى، وجمع المجلس ثانية منه ومنهم، فأما الأعضاء فأصروا، وأما هو فعارضهم، وكان مما قال: إني أعلم أن قول مالك كما تقولون، ولكن ما الذي يمنعنا أن نأخذ في هذا الأمر بقول أبي حنيفة، وهو يرى عدم لزوم الوقف، وحاجة أمير المؤمنين إلى ذلك ماسة؟ ناشدتكم الله: ألم تنزل بأحدكم ملمة تركتم فيها قول مالك وأخذتم بقول غيره؟ فلم تترخصون لأنفسكم ولا تترخصون لأمير المؤمنين، ولا ضرر في هذا، إذ يعرض مكانا أنفع وأرضا أعلى؟ فسكتوا.
ثم طلب من رئيس المجلس أن يرفع الأمر إلى أمير المؤمنين، ويذكر له رأيه ورأيهم، وحجته وحجتهم، فجاء الأمر بالأخذ برأي أبي لبابة، وأزيل المستشفى وكان بعد قليل في «منية عجب» وكان أبو لبابة موضع الحظوة إلى أن مات.
ثم ذهب القصر بزينته وزخرفة ونعيمه، وذهب المستشفى ومرضاه، وبقي حديث أبي لبابة في أفواه العلماء: هذا يصب عليه سخطه؛ لأنه قضى بالغرض، ورأى رأيه لشخصه، وهذا يرى أنه واسع الأفق مرن الرأي، وهذا يؤرخ بحادثته القضاء، وكيف كان، وإلى أين صار.
| الشيخ الدسوقي ومستر «لين»
1
إبراهيم الدسوقي الشهير بعبد الغفار من نسل سيدي موسى الدسوقي، أخي سيدي إبراهيم الدسوقي، صاحب المقام بدسوق، من أسرة تنتمي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ولذلك كان يعد هو وأسرته من الأشراف، ولد ببلدته دسوق سنة 1226ه/1811م.
ونشأ يتيما، فقد مات أبوه وهو صغير، فأرسل إلى الكتاب وحفظ القرآن، وكان بدسوق معهد صغير، هو صورة مصغرة جدا للأزهر، تلقى فيه مبادئ العلوم الأزهرية، ثم أرسل إلى الأزهر مع طائفة من قومه.
وكان بالأزهر علماء كبار أصلهم من دسوق، أمثال الشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى البولاقي، كما كان فيه - ولا يزال - عصبية بلدية وعصبية منطقية، وساعد على هذه العصبيات وجود الأروقة، فرواق الصعايدة، ورواق الفشنية، ورواق البحاروة، وهكذا كانت العصبية، فعصبية أهل كل بلدة بعضهم لبعض، وعصبية لأهل المنطقة جميعا.