تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وامتلأ القصر بالطيور تغرد، والأزهار تتفتح، والفتيات تمرح، وصبيان الصقالبة يروحون ويجيئون، وتم فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

ويأتي أمير المؤمنين الناصر فيزور القصر ويعجب به، ويمتلئ فرحا وسرورا، ويلهج لسانه بالشكر لله على ما أولى وأنعم، ويصعد إلى السطح الممرد فيشرف منه على الرياض الزاهية والمياه المتدفقة، والمجالس وقبابها المذهبة، وعجيب ما تضمنته من إتقان الصنعة وحسن المنظر، بين مرمر مسنون، وذهب مصفى، وعمد كأنها أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة، وحياض وتماثيل عجيبة، ويعجب من قدرة الإنسان الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء الأرض المنحلة، ومادتها المهلهلة، وهو أشد عجبا من صنع الله للمادة، وصنع الله للإنسان.

ولكن (ودائما تأتي «لكن»، فهي نذير الشؤم والنقص، ولم يخل شيء في الدنيا من نقص فلم يخل شيء من «لكن»).

ولكن أبعد «الناصر» النظر فرأى على مداه مستشفى للمرضى يزدحم فيه أصحاب العاهات: هذا قد عصبت عينه، وهذا قد ربطت ذراعه، وهذا قد كسرت رجله، وهذه محفة تحمل طريحا، وهذا طبيب يداوى والعليل يتلوى، إلى آخر هذا المنظر.

ألم «الناصر» من هذا القبح وسط هذا الجمال، ومن مظهر الضعف بجانب مظهر القوة، وعد هذا نشازا في الأغنية الجميلة، وبيتا مرذولا في القصيدة الرائعة، وشجرة يابسة في الحديقة الناضرة، وعمودا مرضوضا في البناء الفخم، وعودا ذابلا في طاقة من الزهور.

لا، لا، لا يكون ذلك، إني أحب الانسجام في كل شيء، والمواءمة في كل نغمة، والانسجام في جلائل الأمور وصغائرها، إن هذا المنظر يذكرني بالضعف وأنا أحب القوة، ويشعرني بالفناء وأنا أحب البقاء، ويصور الحياة في أبشع صورها وأنا أحبها في أزهى صورها.

ولكن المرضى عضو من أعضائنا يجب العناية بهم، والحنو عليهم والإحسان إليهم، والتوفيق ممكن بين ما أطلبه من الانسجام في النظر والمواءمة في النغم، وبين ما أشعر به من واجب للمرضى وحسن رعايتهم، فلينقلوا إلى مكان آخر بعيد عن قصرنا، حيث يجدون فيه راحتهم، وحيث نجد في بعدهم راحتنا.

يبدو الأمر بسيطا سهلا، ولكن (تظهر «لكن» مرة ثانية).

فهذا المستشفى وقف، ولا بد أن يؤخذ في استبدال الأوقاف رأي رجال الشرع.

وكانت الأندلس قد شعرت بنقص نظام القضاء في الشرق، إذ لم يكن هناك قانون رسمي يعمل على وفقه القضاة، ويعرفه المتخاصمون والقضاة قبل الحكم، بل كان القاضي يقضي حسب اجتهاده في حدود مذهبه، وقد أدى هذا إلى إصدار أحكام مختلفة في قضايا متشابهة، فتداركا لهذا ألفوا جماعة سموها «جماعة الشورى»، يعين أعضاؤها بمرسوم من أمير المؤمنين، ومن اختصاصها النظر في مشكلات المسائل، ومسائل الأوقاف، والإشراف على أعمال القضاة وتوليتهم وعزلهم، والإشراف على أعمال رجال الدولة فيما يتصل بالشئون الدينية.

إذا، كان لا بد في أمر المستشفى أن يعرض على جماعة الشورى، فبعث الناصر بأحد وزرائه إلى رئيسها، وهو قاضي قرطبة «ابن بقي» وشكا إليه أمر المستشفى، وأنه يؤذي أمير المؤمنين الناصر، لرؤية المرضى إذا أطل من علالي القصر، وأنه على أتم استعداد أن يعوضهم عنه ما يساوي أضعاف ثمنه أرضا فسيحة غالية من أملاكه في ضاحية قرطبة هي «منية عجب».

قال «ابن بقي»: الرأي عندي أن هذا لا يجوز، وأن ليس لي فيه حيلة، فالوقف يجب أن تكون له حرمته، وأولى من يحترمه السلطان.

الوزير: يحسن إذا أن تعقد مجلس الشورى وتعرض عليهم الأمر ورغبة السلطان، فلعلهم أن يجدوا في ذلك رخصة.

هذا المجلس مجتمع، وها هم العلماء يقلبون الأمر على وجوهه، فلا يرون في فقه الإمام مالك الذي يتقلدونه مخرجا، فيقررون رفض الطلب، وها هو ابن بقي يعرض على القصر رأي المجلس بالرفض.

يغضب السلطان أشد غضب وأعنفه، ويأمر بإحضار مجلس الشورى في القصر، ومواجهة الوزراء لهم بالتعنيف والزجر، فينطلق أحد الوزراء معنفا قائلا: إنكم تستحلون أموال الناس، وتأخذون الرشا، وتلتمسون الروايات الضعيفة تبعا لشهواتكم، وقد أمرني أمير المؤمنين أن أطلعكم على عيوبكم، وأسفه أحلامكم في موقفكم، فهو مطلع على شروركم وخيانتكم، قد احتاج إليكم مرة في دهره في أمر من أموره، فلم يتسع نظركم لإجابته، فليكشفن ستركم، وليناصحن الإسلام فيكم. وأطال في مثل هذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٧٢