لو عقل الناس لأغنوا المعلم وأمكنوه من التفرغ لعلمه ولإنتاجه ولخلقه، ولو قاسوا الأشياء بفوائدها لقوموا المعلم أكبر قيمة، ولكن أنى هذا وتقويم الأشياء في الدنيا من أول عهدها إلى اليوم تقويم أخرق، بني على نظر أحمق، هذا كل مهارته أن يثير الضحك بمنظره أو بمنطقه أو بحركاته فينهال عليه المال انهيالا، وهذا يثير الشهوة بألفاظه وخدعه فيتدفق عليه المال بالهيل والهيلمان، وهذا شاب سخيف غر كل ميزته أنه ابن غني مات والده فانتقلت إليه ثروته التي لا تحصى ولا خير للمجتمع منه، وهذا وذاك من الأمثلة الوافرة، وبجانب هؤلاء جميعا نابغة لا يجد قوته ومعلم لا يجد الكفاف، كل ما في الدنيا من أمثلة يدل على فساد التقويم، كتاب مليء حكمة بدرهم، وحبة من لؤلؤ - ليست لها قيمة ذاتية - بآلاف، ومجهود الآلاف من الناس يحرثون ويزرعون لا يساوي خاتما من ماس تتزين به المرأة ساعة في العمر، ولاعب تقوم لعبته بالمئات، ومكتشف لا يقوم اكتشافه بشيء، وعلى الجملة فقد عجز العقل أن يدرك «أساس التقويم» عند الناس، فلا هو مقدار ما في الشيء من منفعة، ولا ما فيه من عدم منفعة، ولا هو الجمال ولا القبح، ولا الخداع ولا الصراحة ولا الصدق ولا الكذب، ولا الحق ولا الباطل، لا شيء من ذلك كله، ولا شيء غير ذلك كله، صالح لأن يفسر أساس التقويم عند الناس. •••
ومن مصائب المعلمين أنهم كثيرون، وأنهم يجب لصالح الدولة أن يكونوا كثيرين، فلا بد لكل طفل وطفلة أن يكون له معلم، فكان لا بد من معلمين يتناسبون في الكثرة مع المتعلمين؛ ومن مقتضيات كثرتهم أن مدى زمن التعلم يبلغ عند كثير من أفراد الأمة ثلث عمرهم أو أطول، وكثرة العدد في مهنة من المهن حليف الفقر، فلو قومتهم الدولة قيمتهم الذاتية التي يستحقونها لم تكفهم خزائنها، ولم تسد مطلبهم ميزانيتها، فكان الفقر من مقتضيات الحال وصروف الزمان.
وعلى كل حال فلا منفذ لهم من ضيق اليد إلا سعة النفس، ومن الفقر في المادة إلا غنى الروح، ومن الحياة اللاصقة بالأرض إلا السمو إلى السماء، ومن الشكوى من سوء تقويم الناس للأشياء إلا إنشاؤهم مملكة روحية في أنفسهم تقوم فيها الأشياء تقويما صحيحا عادلا. •••
قص - أيها الأب - هذه القصة على ابنك، واشرح له ما غمض، وفصل له ما أجمل، ثم اسأله بعد: هل هو راض عن التضحية كما يضحي الجندي؟ وهل هو قابل أن يحد من لذته كما يحد الراهب؟ وهل هو مستعد أن يتعزى بالمعنويات عن الماديات، وأن يخلق في نفسه عالما فيه كل ضروب القناعة، وتحل فيه اللذائذ العقلية والروحية محل اللذائذ الجسمية؟
إن كان كذلك فدعه يكون معلما، وإلا فجنبه الشقاء.
| صورة قضائية تاريخية (1)
هذا قصر عبد الرحمن الناصر بقرطبة، يعمل في بنائه آلاف العمال، ويستجلب له من كل مدينة أحسن ما فيها، فالرخام الأبيض من المرية، والرخام المجزع من رية، والوردي والأخضر من تونس، والحوض المنقوش المذهب من القسطنطينية، وهذه نقوش تنقش، وتماثيل وصور على صور الإنسان تنصب في أماكنها، وهذه هي الأبواب تصنع من العاج والآبنوس المرصع بالذهب، وهذه هي الأعمدة تقام من الرخام الملون والبلور الصافي، وهذا هو مجلس الخليفة يحلى بقرامد الذهب والفضة ملونة ألوانا بديعة، وينشأ في وسطه حوض عظيم يملأ بالزئبق، فإذا دخلت الشمس سطعت على تلك الأبواب وهذا الحوض وهذه الأعمدة، فيكون من ذلك أشعة تخطف الأبصار وتأخذ القلوب، وهذه الحدائق تنسق، ويؤتى لها بأغرب الأشجار وأجمل الأزهار، وهذه القناة الغريبة الصنعة يجرى فيها الماء من جبل قرطبة إلى القصر فيلعب فيه لعبه البديعة، فهذه بركة عظيمة عليها أسد عظيم الصورة بديع الصنعة شديد الروعة مطلي بالذهب، وعيناه جوهرتان براقتان، يجوز الماء في مؤخرته فيمجه في البركة من فيه، ثم تسقى من مجاجه جنان هذا القصر، وما فضل عنه صب في النهر.