المعلم يملك نفوسا وعقولا ومشاعر بعدد من يعلمهم، ومن يصل نفعه إليهم، وغيره يملك مالا وضياعا وعقارا، فإن كان ابنك - أيها الأب - ممن يفضل ملك النفوس والعقول على ملك المال والعقار فاجعله معلما، وإلا فليكن تاجرا أو محاميا أو مهندسا أو ما شئت، غير أن يكون معلما، المعلم يتاجر، ولكنه يتاجر في الأرواح والعقول والمشاعر، ويكسب ويخسر، ولكنه يكسب نفوسا تتعلق به وقلوبا تتجمع حوله، أو يخسر عقولا أتلفها ونفوسا أفسدها، فإن كان ابنك ممن له غرام بالنفوس والقلوب يكسبها فليكن معلما، وإلا فخير له أن يتاجر في الذهب والفضة أو ما يدر الذهب والفضة، أما إن هو تاجر بالنفوس وأراد الذهب فبشره بالخسارة التي يمنى بها رجل الدين إذا أراد الدنيا، ورجل العلم إذا خدم بعلمه السياسة.
التعليم - أيها الأب - نوع من الرهبنة، انقطع صاحبه لخدمة العلم كما انقطع الراهب لخدمه الدين، أو إن شئت فقل: إن الراهب يعبد ربه من طريق تبتله واعتكافه، والمعلم يعبده من طريق علمه وتعليمه، كلاهما زهد في الدنيا إلا بقدر، وانقطع عن الناس إلا ما يمس عمله، وكلاهما ركز لذته وسعادته فيما نصب له نفسه، فإن رأيت راهبا ينحرف ببصره إلى زخرف الدنيا وزينتها فهو راهب فسد، وإن رأيت معلما يجعل غرضه الأول المال والجاه وعرض الدنيا فهو - كذلك - معلم فسد. •••
كم في الدنيا من أناس أشقياء أكبر شقائهم ناشئ من أنهم يعملون فيما لم يخلقوا له، هذا مهارته في يده يعمل بعقله، وهذا مهارته في عقله يعمل بيده، وهذا مهارته في قلبه يعمل بيده أو عقله، وهذا مالي يعمل عالما، وهذا عالم يعمل ماليا وهكذا، ومن هذا القبيل صنف من المعلمين لم يخلقوا للتعليم وإنما خلقوا للمال، فأجسامهم في التعليم، وطموحهم للمال، فلما لم يصلوا إلى المال - وذلك طبيعي - عذبوا عذابا شديدا، وضاقت نفوسهم، واضطربت عقولهم، وفشلوا في التعليم والمال معا، نسوا أن التعليم عمل روحي لا يصلح له إلا من تجرد للروح وشئونها، وقلبوه إلى عمل آلي فحرموا لذة الروح، ولم ينجحوا في العمل الآلي، وكانت حجرة التعليم سجنا، وعلاقتهم بالمتعلمين علاقة السجان بالمسجونين، فلم ينجحوا في التعليم الذي قيدوا أنفسهم به، ولا في المال الذي طمحوا إليه، وكان من الخير أن يريحوا أنفسهم من التعليم، ويريحوا التعليم من أنفسهم، لقد فهموا كما يفهم الماليون أن مقياس النجاح في الحياة سعة الرزق، وعظم المرتب، وتدفق المال، فلما لم يجدوا شيئا في أيديهم عدوا أنفسهم خاسرين، فنقموا على أنفسهم وعلى الزمان، وعلى حرفة التعليم، وعلى القدر الذي ألجأهم إليها، وفاتهم أنهم غلطوا في مقياس النجاح، فوزنوا بالمتر، وقاسوا الطول بالقنطار، فمقياس النجاح في الحياة العلمية غيره في الحياة المالية والمناصب الحكومية. •••
ومع هذا فلهم بعض العذر في الشكوى من الضيق والضنك، فنظم الحياة يسرت العيش للراهب ولم تيسره للمعلم، جعلت الراهب يعيش لنفسه وربه، وقطعت صلته بالأسرة فتخفف من أعبائها، ولكنها أباحت للمعلم أن يتزوج وأن يكون رب أسرة، ثم طالبته أن يترهب، فإن ترهب هو لم تترهب زوجه وولده، فهو يحلق بنفسه وعمله في السماء، وأسرته تجذبه في عنف إلى الأرض، يرضى بكسب القلوب، ويسر بفتح الزهور، ويعد نفسه غنيا بملك النفوس، ولكن ذلك كله لا يغني فتيلا عند أسرته، فهي تريد المال الصامت، ولا يرضيها ملك النفوس الناطقة، فهو بائس مسكين، مضطرب بين مثله السماوي ومثل أسرته الأرضي، وغناه النفسي وفقرهم المادي، وقناعته بلذته الروحية وإلحافهم في طلب لذائذهم المادية، وقد كان يكون مثل المعلم صحيحا وسليما لو عاش وحده وطمح وحده وتغنى وحده كما هو شأن الراهب، أما وهو معلم في معهده ومثقل بالأسرة في بيته، فتلك مشكلة المشكلات في العالم كله. •••