تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو أيضا ما يحدد خطة السير التي يجب أن يسيرها الشرق إذا أراد أن يصل إلى ما وصل إليه الغرب، وهذه الخطة تتلخص في أن يجد في العلم ويسير في حياته وفق العلم ، وهذا يتطلب تعديلا في قائمة العلوم كما فعل الغربيون، فيوضع في أولها العلوم الطبيعية من طبيعة وكيمياء وميكانيكا وهندسة وما إلى ذلك، والعلوم الاقتصادية والاجتماعية وما إليها، ثم ثورة على الحياة المؤسسة على التقاليد، وابتداء صفحة من التاريخ مؤسسة على العلم، في الفلاحة والزراعة والتجارة والتربية والتعليم والسياسة وكل شأن من شئون الحياة، فإذا وجه الحياة يتغير، وإذا الشرق سائر سير الغرب، وإذا الركود يتحول إلى حركة، وإذا أخطاء حياتنا تظهر في أشنع صورها، وإذا الخلف يعجب كيف كان يسير السلف. «العلم وتأسيس الحياة على العلم» هو المبدأ الذي يجب أن يكون شعار الأمم التي تريد النهوض، وهو المفتاح الذي نفتح به أبواب الحياة، وهو المصباح الذي نبصر في ضوئه كل عيوب الحاضر.

الفرق بين مدنية العصور الوسطى والمدنية الحديثة كالفرق بين «الأجزاخانة» ودكان العطار، وكالفرق بين الطب الحديث وطب الركة، قد ينفع دكان العطار وقد ينفع طب الركة، ولكن نفعهما مبني على المصادفة والبخت، على حين أن نفع النوع الأول مبني على الدرس ومعرفة السبب والمسبب والعلة والمعلول، إذا نفع النوع الثاني فنفعه تقليد وعقيدة، وإذا نفع الأول فعلم ومنطق.

والفرق بينهما أيضا كالفرق بين عربات النقل والسيارة، أولاهما كانت تساير الزمن البطيء والحياة البطيئة التي كان الناس يحيونها، والثانية تساير الزمن السريع والحياة السريعة التي يحياها الناس الآن.

ومحال إذا أردت مجاراة الزمان ومواجهة الواقع أن تحارب الأجزاخانة بالعطار والقطار بالعربة، إلا إذا عشت في أتم عزلة عما حولك من العالم، ومحال أن يكون ذلك، فالعلم أيضا كسر الحدود، وصير العالم وحدة لا وحدات.

لقد آمنت المدنية الحديثة كل الإيمان بقانون السببية، فكل ظاهرة في الوجود إذا حدثت فهناك سبب لحدوثها، وإذا أريد علاجها فلا بد من علم بها ووضع العلاج على أساس العلم بها، تستوي في ذلك الظواهر الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، على هذا الأساس نظموا حياتهم في الصحة والمرض، في شئون المال، في شئون التربية، في الإقدام على المشروعات، في علاج المشكلات، الدرس أولا ومعرفة العلل والأسباب والنتائج.

ثم بناء العمل على هذا الدرس، لا شيء يعمل سبهللا، ولا شيء يعمل اعتباطا، في المدرسة يبنون حياتهم المدرسية على دراسة النفس وعلم التربية، وفي البيت يبنون حياتهم المالية على قوانين الاقتصاد، وفي حياتهم السياسية على قوانين علم الاجتماع، وفي حياتهم الحربية على علوم الحرب وفنونها وإحصاءاتها وتجاربها الميكانيكية والنفسية، حتى لهوهم ولعبهم مبني على قوانين النفس وقوانين الرياضة.

وبقدر ما توسع القدماء في دائرة القضاء والقدر ضيقت المدنية الحديثة من هذه الدائرة، فالغنى والفقر والصحة والمرض والفساد والصلاح والنصر والهزيمة والنجاح والفشل كانت كلها عند الأقدمين داخلة في دائرة القضاء والقدر، وأكبر جزء منها في المدنية الحديثة داخل في دائرة قانون السببية، وهكذا.

قد صيرت المدنية الحديثة العالم جامعة كبيرة وطبقت عليه نظام الجامعة، جمع للظواهر ودراسة دقيقة لها وإجراء التجارب عليها، وعمل ما يستلزمها من إحصاءات وما إليها، وإبعاد ما ليس للظاهرة المعروضة علاقة بها، واستنتاج الحل لهذه الظواهر بعد الدرس.

والفرق بين جامعة العالم والجامعة الخاصة أنهم في جامعتهم الواسعة يريدون أن يطبقوا ما وصلوا إليه من نتائج على الحياة العملية، ويعدون البحوث المجردة بحوثا ميتة لا حياة فيها ولا روح، ويرون أن العلم ليس للعلم، وإنما هو ليستخدم في الحياة وليسعد الحياة، وليس العلم اللذة العقلية فقط، ولكنه لتشكيل مرافق الحياة حسب قوانينه، فالطبيعة والكيمياء والميكانيكا والرياضة ليست للزخرف العقلي، ولكنها لبناء الجسور وشق الترع واختراع الآلات لخدمة البشر وكل ضروب المدنية، وما لم ينبن عليه عمل فهراء باطل وشعوذة ممقوتة. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٦٧