فاللهم يا من أعززت المسلمين بعد عناء، وقويتهم بعد ضعف، ووحدت كلمتهم بعد فرقة، وألفت بين قلوبهم بعد شتات، أدرك آخرهم بما أدركت به أولهم، وأعزهم بما أعززت به سلفهم، وبصرهم بوجوه ضعفهم حتى يتخذوا العدة لنهوضهم، وأنر لهم سبيل القوة حتى يعودوا سيرتهم، واجعل العام الجديد فاتحة عهد جديد، يصلحون فيه أخطاءهم، وينعمون بقوتهم، ويعتزون بجاههم، ويباهون العالم بأعمالهم.
| في المدنية الحديثة
لعل أهم مظهر من مظاهر المدنية الحديثة أنها جعلت الحياة مؤسسة على العلم.
حاولت أن تغزو كل مرفق من مرافق الحياة وتؤسسه على العلم؛ فالفلاحة مؤسسة على العلم في ري الأراضي وآلات الزرع والحصاد، والزراعة مؤسسة على العلم، في شأن النبات ووقايته، وآفاته وما إلى ذلك، وهكذا في كل شأن من شئون الحياة: تربية الأولاد مؤسسة على العلم، والحياة الاقتصادية مؤسسة على العلم، والحرب مؤسسة على العلم، ولا شيء يحدث اعتباطا، وإنما هناك درس علمي واستنتاج علمي وبناء العمل على ما وصل إليه العلم.
ولعلك إذا قارنت الشرق بالغرب فأول ما يفجؤك من وجوه الفروق أن الشرق - في كثير من شئونه - لا يسير على مقتضى العلم، والغرب يسير في كل شئونه على العلم.
الفلاح في الشرق يفلح لا على مقتضى العلم، ولكن على مقتضى التقاليد، والعلم يتقدم ويبحث ويخترع، ولا تزال آلات الزراعة عندنا على ما كانت عليه في عهد قدماء المصريين إلا في القليل النادر، وحياة الفلاحين كما كانت في عهد قدماء المصريين كذلك، وقد أحدث العلم ثورة في تربية الأولاد، وسير الغريبون تربيتهم وفق العلم، وحافظنا على تربية أولادنا وفق التقاليد، والتجارة صارت علما يدرس، وله نظريات ثابتة بنوا عليها تجارتهم، ونظموا بها دخلهم وخرجهم، وتجارتنا مؤسسة على البركة، إلى آخره.
وهذا الفرق بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية هو الذي مكن الغرب من استعمار الشرق، فقد أسس الغرب سفنه على علم الملاحة، وأعد أدوات قتاله حسب علم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء، ودرس الجغرافيا، وعرف الأرض وما حوت، وحيي حياته كلها وفق العلم، ودرس الشرق فرآه لا يطبق حياته على العلم، فغزاه بالعلم، واستعمره بالعلم، وتمكن منه بالعلم.
وقد استغلت المدنية الحديثة العلم إلى أقصى حد ممكن، فطبقته على كل مرفق من المرافق، استعملته في الترف والنعيم بما اخترعت من قطارات وسيارات وتلغراف ولاسلكي وكهرباء، واستعملته في شئون الاقتصاد والتجارة، وفي تأسيس البنايات الضخمة والآلات الفخمة، واستخدمته أيام الحرب في الغازات الخانقة والكمامات وأدوات القتال على اختلاف ألوانها وأنواعها.
وكلما كان العلم أمس بالحياة كانت المدنية أكثر به عناية، ولهذا كانت العلوم الطبيعية أكثر العلوم أهمية في نظر المدنية، وقد بلغت هذه العلوم من الرقي حدا كبيرا نفذت به المدنية إلى مناحي الحياة المتشعبة في المنزل وفي الشارع وفي المدينة وفي السلم والحرب.
وكان من نتيجة هذا أن ضعفت العناية بما لم يترتب عليه في الحياة عمل، حتى الفلسفة غلبت عليها الناحية العملية، وعني فيها بالنفس والاجتماع والمنطق أكثر مما عني فيها بما وراء الطبيعة والإلهيات.
ودرات آلة العلم في المدنية الحديثة دورا عنيفا وسريعا، وأحل العلماء في المجتمع محلا رفيعا، وامتلأت أوربا بقاعات البحث، وتخصص العلماء للدرس والاستكشاف، وكلما وصلوا إلى نتيجة علمية أخذها التجار فحولوها إلى صناعة تملأ البيوت وتغزو الأسواق وتنفذ إلى صميم الحياة العملية.
أصبح هذا هو طابع المدنية الحديثة الذي يتجلى في كل مظهر من مظاهرها، كما أصبح هو مقياس رقي الأمم، فالأمة أرقى من أمة؛ لأنها أكثر تقدما في العلم وأكثر استخداما له في حياتها اليومية، والغرب أسبق من الشرق؛ لأن محصول الغرب العلمي أكبر ولأن سيره على مقتضى العلم أتم.