تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا أهم فرق - في نظري - بين المدنية الحديثة والقديمة، وبين الأمم المتحضرة وغير المتحضرة، وبين الأمم الحاكمة والأمم المحكومة.

وهذا أيضا هو الجانب الحسن في المدنية الحديثة وجانب القوة فيها، ولكن هناك من ناحية أخرى وجها ضعيفا، وجها ينقص المدنية الحديثة لتكمل، ذلك أن للإنسان، بجانب قوته العاقلة التي نتاجها العلم والتي يرمز إليها عادة بالرأس، قوة أخرى روحية يرمز إليها بالقلب، ومن مظاهرها الدين والمثل العليا للخير والسلوك وما إلى ذلك، ولا بد لخير الإنسانية وسموها من تعادل القوتين ونمائهما معا.

وقد رأينا المدنية الحديثة تعلي شأن العقل والعلم علوا كبيرا، ولا تعلي شأن القلب كذلك، حتى لرأيناها تحكم العقل في القلب، والعلم في الدين، والمنطق الجاف في السلوك.

لقد أدى إعلاء شأن العقل والعلم وحده إلى هذه الحروب الطاحنة الدامية، ولو تدخل القلب فأعلى شأن الإنسانية لوقف العلم عند خدمة الحياة، ولم يتعدها إلى إعدام الحياة، كما أدى إعلاء شأن العلم إلى أن وجهوه إلى الدين يشرحه كما يشرح الطبيب الجسم، ويحلله كما يحلل الكيمياوي الأشياء، ففقد روحه وفقد قيمته، وفقد الناس احترامه، وأنى للعلم أن يحكم فيما ليس من اختصاصه؟ إذ كيف تخضع الحب للمنطق، والشعور للعقل، والعاطفة للبرهان؟ إن تحكيم العلم في هذا كتحكيم العين في المسموع والأذن في المرئي والأنف في الملموس،

لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ، فلما حلل العلم الدين حوله من عاطفة إنسانية وطموح إلى المثل العليا إلى خدمة اجتماعية، لقد أنشأ الدين مملكة سماوية تشرئب إليها النفوس، وتسمو إليها الأرواح، فجاء العلم يحطم هذه المملكة ويرد الدين إلى حظيرة الواقع ودنيا الجماد.

لقد جاء الدين فدعا إلى إحياء القلب وإحياء البصيرة، وجاء العلم ينكر كل شيء إلا العقل وإلا المنطق، ولا أمل لسعادة الإنسان إلا بحياة عقله وقلبه معا، واعتراف كل بحدود دائرته من غير أن يتعدى اختصاصه، لقد حول العلم الدين إلى رياضة، وجعل البرهنة عليه من جنس البرهنة على نظرية هندسية، وجهل الفرق بين شيء خارجي يبرهن عليه، وشيء في النفس ينكشف بالشعور، إن الدين شعور وإلهام مركزهما القلب، والعلم يشرح ويوضح ويبرهن ويستمد ذلك من الرأس، إن العلم ليعجز عن إدراك جمال الدين كما يعجز عن الشعور بجمال ازدهار الزهرة وابتسامة الطفل، لقد ملأ العلم الحياة مالا واختراعا، ولكن كان شأن الإنسان معه شأن الرجل كثر ماله فأنفق عمره فيه يديره ويدبره حتى لم يجد وقتا ما يفكر فيه لنفسه، كذلك كان شأن الناس في المدنية الحديثة، تنوعت حياتهم وكثرت تكاليفهم، وازدحمت أوقاتهم، وامتلأت جيوبهم، ولكن فرغت قلوبهم، وعاشوا عيشة صاخبة لا يجدون فيها أنفسهم حتى كأنهم في حلم ثقيل.

كانت نتيجة هذه الحياة التي يعنى فيها بالعلم وحده، ويستخدم العلم فيها للحياة المادية وحدها أن أصبح مقياس الحياة القوة وحدها، القوة في المال وفي الجسم، ثم توجت هذه القوة بالتسلح، وكلما كانت الأمة أمضى سلاحا وأشد فتكا وأمعن في التنكيل كان ذلك دليل عظمتها وأدعى إلى احترامها، وهذا بعينه هو المقياس الوحشي القديم الذي كانت تقاس به الأمم أيام بداوتها، وكانت تقاس به الأفراد أيام سذاجتهم، ثم تغير هذا المقياس في حق الأفراد ولم يتغير في حق الأمم، أصبح الفرد يقوم بسلوكه وحبه للعدل والحق ونحو ذلك، ولكن لا يزال تقويم الأمم كما كان في نشأتها الأولى، بالقوة.

إن طغيان العلم على الروح والعقل على القلب هو وجه الضعف في المدنية الحديثة، ولا أمل في صلاحها إلا بتعديل عناصرها وحياة قلبها، إذ ذاك تنظر إلى الإنسانية لا إلى القومية، وإلى العدل والحق لا إلى الجنس، وإلى خير العالم كله لا إلى خير جزء منه، وهذا اللون هو لون المدنية المنتظر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٦٨