ثم بجانب دعوته إلى العقيدة دعوة إلى نوع من الشعائر تعظيما لله، وإقرارا بربوبيته.
دعا دعوته سرا فآمن به أقرب الناس إليه وأعرفهم به: زوجه خديجة، ومولاه زيد، ومرببه علي، وصديقه أبو بكر، وظل على ذلك نحو ثلاث سنين استجاب له فيها أرسال من رجال ونساء، وصناديد قريش لا يهمهم أمره، ولا يعنيهم شأنه، ثم دعا جهرا فبسط دعوته من غير أن يهاجم عقائدهم، فسكتوا عنه ولم يردوا عليه، ولكن بناء الجديد لا يكون إلا بعد هدم القديم، فلتهاجم الأصنام في غير رحمة، وليشهر بالشرك في غير هوادة، ولتسفه أحلامهم ليعودوا إلى الصواب، وليلعن ضلالهم ليتبين لهم الهدى، فكان ذلك بدء الخصومة وفاتحة العداوة، وأجمعوا خلافه، وأظهروا عداوته، ثم رغبوه وأرهبوه، فما أبه لترغيبهم ولا ريع لإرهابهم، وصبر على إيذائهم يمعن في دعوته، ويبشر المؤمنين وينذر المشركين، ويؤمن أن العاقبة للمتقين، وازدادوا في إيذائه ومن معه، فأوعز إليهم بالهجرة، فهاجر كثير إلى الحبشة، فكان فيها بعض السعة، وعلم أن القوة إنما تدفع بالقوة، والسيف يقارع بالسيف، والله الذي أنزل الكتاب أنزل معه الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، ويئس من قريش فرنا إلى القبائل الأخرى، وظل نحو سبع سنين بعد يتحين المواسم كل عام في الحج، ويتعرف القبائل ومنازلها، ويدعوهم إلى أن يحموه حتى يبلغ رسالات ربه، فلا ينصره أحد ولا يجيبه أحد، ويردون عليه أقبح رد، ويقولون له: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ويؤمنوا بك. حتى ساقه الله لنفر من الأوس والخزرج فدعاهم دعوته فأجابوا، وأسرعوا فآمنوا، وعادوا إلى قومهم في المدينة ففشا الإسلام في دورها، ثم هاجر رسول الله إلى المدينة ليكون بين أنصاره وحماة دعوته.
صبغت المدينة صبغة إسلامية قوية فتآخى المهاجرون والأنصار، وبنيت فيها المساجد وجلجل فيها الأذان يتردد صداه، وأقيمت شعائر الدين في طمأنينة وأمن، وجاء الإسلام ينظم الحياة الاجتماعية كما نظم الحياة الروحية، وألف في المدينة الجيش يحمي الدعوة ممن يهاجمها أو يقف في سبيل نشرها، كجيش مكة الذي يعلن الوثنية ويحميها، وينتشر الخبر في الجزيرة فينضم إلى هذا اللواء قوم، وإلى ذاك آخرون، وجاءت غزوة بدر فخرج المسلمون في قلة من عددهم وقوة في إيمانهم، والمشركون بصناديدهم وأفلاذ أكبادهم، فكان النصر للمؤمنين، وكانت الحادثة فتحا عظيما ملأت قلوب المسلمين بالأمل، والمشركين بالهلع، وتتابعت الغزوات، فكانت - في غالبها - فتحا بعد فتح ونصرا يعقبه نصر، والإسلام ينمو وينتشر، والشرك ينهزم ويندحر، حتى غزا المشركين في عقر دارهم - في مكة - ورأى أبو سفيان الجموع الحاشدة فقال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! فقال العباس: كلا، إنها النبوة. وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فما مسه زهو الفاتح ولا فخر الغالب، و«لقد رئي إذ ذاك على راحلة، معتجرا بشقة برد، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة رحله»، وحج حجة الوداع في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا يريهم مناسك الحج ويرد تحريفات الشرك.
انتهى الآن شأن الجزيرة فتوجه إلى ما حوله من فارس والروم، فكتب إلى ملوكهما يدعوهم دعوته، ويبين حجته، ويحملهم وزر قومهم، وضلال شعوبهم، وأخذ يعد لغزو الروم في الشام عدته ويخبر قوته.
ثم أدركه المرض واشتدت به العلة، وكان بين يديه إناء فيه ماء، فكان يدخل فيه يده فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات»، ثم جعل يقول: «اللهم الرفيق الأعلى» حتى قبض.
وخلف العبء لرجال اهتدوا هديه واستنوا سنته، وأدوا الأمانة التي حملوها، ونهضوا بعظائم الأمور التي كلفوها، فما وهنوا في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فإذا فارس مسلمة، وإذا الروم مستسلمة، وإذا الأرض تتجاوب أنحاؤها بلا إله إلا الله محمد رسول الله. •••