تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أصبح قلق النفس حائر اللب، ما عليه الناس هو الباطل فأين الحق، والبدو والحضر في ضلال فأين الهدى؟ واللات والعزى أوثان لا تنفع ولا تضر، فأين من ينفع ويضر؟ إلى غير ذلك من مشاعر نعجز عن وصفها.

إذ ذاك حببت إليه العزلة فكان يأنس بنفسه، ويفر من بني جنسه، ويمكث في ذلك الساعات أولا، ثم الأيام، ثم الشهر وهو سابح في تأمله، غارق في تفكيره، تتكشف له الحقيقة رويدا رويدا، حتى جاءه الوحي، فلمعت نفسه وأضاء العالم حوله.

كان أول كلمة أوحيت إليه «اقرأ» ولكن ماذا يقرأ؟ وكيف يكلف القراءة وما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخط بيمين؟

كلا، إنه لم يكلف قراءة الحروف والكلمات، فهي تقيد البصر وتحد الفكر، إنما كلف قراءة أسمى من هذا وأرقى، إنها قراءة الكون دالا على خالقه، ووحدة العالم دالة على وحدة صانعه:

اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ، اقرأ:

والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها ، اقرأ:

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ، اقرأ الله في السماء ونجومها، والأرض وجبالها ووهادها، والطير في الهواء، والسمك في الماء، اقرأه في اختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسنة والألوان، اقرأه في نبضات القلب وحركات الحس وخلجات النفس، اقرأه في كل شيء تجده في كل شيء.

نظرة غيرت كل شيء، وسر أوحي إليه فتكشف له كل شيء، وبدأ يقرأ العالم من جديد، فإذا كل شيء جديد، لقد كان هذا العالم قبل هذه النظرة جامدا فدبت فيه الحياة، وكان لا دلالة له على شيء فدل على خالق الحياة.

هذا ما نعلم فكيف بما لم نعلم؟

لقد كانت لحظة رائعة كل الروعة، جليلة كل الجلال، رهيبة كل الرهبة، فرأى ما لم يكن قبل رأى، وسمع ما لا عهد له أن يسمع، وتجلى له الحق في كل شيء، لقد كانت لحظة فارقة بين محمد بشرا ومحمد بشرا ورسولا، لحظة غابت فيها نفسه عن عالم الحس، واستغرقت في عالم الروح، فبردت أطرافه ورجف جسمه وعاد وهو يقول: «زملوني، زملوني؟» حتى ذهب عنه الروع.

لو كان الأمر أمر حق ينكشف، ونفس تهتدي، لكان في ذلك لذة لا تقدر، ومتعة لا تفنى؟ ولكن تلا الوحي الأول الوحي الثاني:

يا أيها المدثر * قم فأنذر

فكانت تبعة عظمى وعبئا ثقيلا، لقد كلف أن يرد الناس عن ضلالهم، وينتزعهم من دين آبائهم، ويدعوهم أن يحكموا في دينهم عقولهم وقلوبهم، وما أشقها تبعة! فالناس مذ خلقوا عبيد ما ألفوا، أعداء ما جهلوا، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون، هذا تاريخ كل نبي، وكل مصلح، وكل داع إلى الخير، أدرك ذلك ورقة بن نوفل، وقد قص عليه النبي

صلى الله عليه وسلم

فلخصه تلخيصا بديعا، إذ قال له: «والله لتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي»، وأدرك النبي ذلك كله فوجم، وأدرك تأييد الله فسكن.

ومن ذلك الحين يبدأ حياته في الجهاد، جهاد في الدعوة وتصويرها وتبليغها كما أوحيت إليه، والسعي في إيصالها إلى كل سمع، والسير بها خطوة خطوة ورويدا رويدا، كما أمر الله حتى تبلغ غايتها ويتم كمالها، وجهاد في حماية الدعوة بالرفق إن أغنى، وبالسيف إن عجز الرفق.

أس الدعوة إله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، تعالى عن الصورة وتنزه عن المادة، خالق كل شيء، بيده ملكوت السموات والأرض، وهو على كل شيء قدير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.

فما أحقر الأصنام، وما أحقر عبادتها! إنها سقوط الإنسانية وفساد الفطرة، إنها داعية الفرقة وموجبة الخلاف، فلكل قبيلة صنم ولكل قوم وثن، ولو أدركوا وحدة إلههم لتوحدت عبادتهم وتألفت قلوبهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٦٤