إيلافهم رحلة الشتاء والصيف
سن لهم رحلة اليمن والحبشة في الصيف، ورحلة الشام في الشتاء، ودعا قومه أن يجعلوا الحاج في ضيافتهم، يطعمونهم من مالهم، ويسقونهم من مائهم، ويقول: «إنهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه».
ويرى الناظر في وجوه أهل هذا البيت علائم الدين والسيادة عن طريق الدين، هذا عراف اليمن يتفرس في أنف عبد المطلب فيقول: «والله إني أرى نبوة وأرى ملكا»، وهذه قتيلة الخثعمية ترى في جبهة عبد الله بن عبد المطلب غرة مثل غرة الفرس.
من هذا البيت ولد محمد بن عبد الله، يرث الدين ويرث المجد والشرف عن طريق الدين، ونشأ يتيما لا ترأمه أم ولا يحميه أب، ونشأ فقيرا لم يترك له أبوه إلا خمسة أجمال وقطعة غنم، فعرف طعم اليتم، وعرف طعم الفقر، وتولد في نفسه الرحيمة العطف على الفقراء، واليتامى:
فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر ، لقد «خدمه «أنس» عشر سنين، فما قال له أف. ولا لم صنعت. ولا ألا صنعت»، ولقد قالت له خديجة عند بدء الوحي: «والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
ورعى الغنم - وهو غلام - مع أخيه من الرضاعة في بني سعد، ثم رعاها في مكة، فعرف من رعايته الغنم كيف يرعى الأمم، والنفوس المرهفة تتعلم من الأمر الصغير ما لا يتعلمه أوساط الناس من الكبير.
وخرج إلى الشام مرتين: مرة - وهو ناشئ - مع عمه أبي طالب، ومرة وهو ابن خمس وعشرين في تجارة، فرأى الشام تحت حكم الرومانيين، ورأى الحضارة كما رأى من قبل البداوة، ورأى ما لم يعجبه من الترف والنعيم، وفساد الخلق، وسقوط النفس، واطلع على صفحة من المعاملات المالية سوداء، فيها التهالك على المال، وفيها الخداع والاستغلال، وفيها أخلاق الناس كأخلاق السمك يأكل بعضه بعضا، وفيها يعبد المال من دون الله، فكره عبادة المال في الحضارة، وعبادة الوثن في البداوة، واجتمع له الوقوف على أخلاق هؤلاء وهؤلاء، فما أعجبته هذه ولا أرضته تلك.
وإنما كان يرضيه مواقف يدعى فيها للحق والعدل، ويتحالف عندها على رفع الظلم، كالذي حدث في حلف الفضول، إذ تداعت قبائل من قريش واجتمع ممثلوها في دار عبد الله بن جدعان، وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغير أهلها ممن دخلها إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
لقد شهد محمد
صلى الله عليه وسلم
هذا الموقف، وحضر هذا الاجتماع، وكان في نحو العشرين من عمره، وأعجب به، إذ وافق نفسه الطامحة إلى العدالة المتأهبة لخير الإنسانية، وظل يذكره بالخير قبل بعثته وبعد بعثته ويقول: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت»، ويرضيه أن يتعاون الناس على الخير ولا يثور بينهم الشر، فلما اختلفت قبائل قريش في وضع الحجر الأسود في بناء الكعبة وأرادت كل قبيلة أن تنال فخر وضعه، واختصموا واستعدوا للقتال وتعاقدوا على الدم، أشار محمد
صلى الله عليه وسلم
بمد ثوب وضع فيه الحجر وأخذت كل قبيلة منه بطرف، ثم رفعه بيده ووضعه مكانه، وحجز الشر بينهم، وكان ذلك إرهاصا لما كان منه بعد من تأليف قلوبهم وتوحيد كلمتهم، وهكذا هو في تاريخه يرحب بالخير ويعين عليه ويكره الشر ويقف دونه.
ويتجلى فيه النبل والإخلاص في كل مواقفه، فإذا هوجم قومه من قريش في حرب الفجار وقف بجانبهم يدافع عنهم، ويتحدث عن ذلك بعد فيقول: «قد حضرت الفجار مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلت» ويتزوج خديجة فيكون مثل الإنسان المخلص لزواجه، المخلص لحبه، المخلص لولده. •••
لقد بلغ الأربعين، فالثمرة أشرفت على النضج، والزهرة تهيأت للتفتح.
كل شيء حوله يدعو إلى الطمأنينة، فهو محبب في قومه، سعيد في أهله، في يسر في ماله، ولكن متى كان للنفوس العظيمة أن تقنع بأعراض الدنيا أو تركن إلى مظاهر الحياة؟