تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال يدخل العقل في القضية، فقد يكون مرتشيا، وقد يكون نزيها، قد ترشوه الشهوة فينضم إليها ويترافع في صفها على غير اعتقاد منه، وقد يرشوه الضمير فينصره بحججه وقضاياه وأقيسته على غير اعتقاد منه أيضا، وقد ينزه فيخلص للحق ويقول فيه كلمته، ويتخذ لذلك كله وسائله الخاصة من عرض المعاذير والاستشهاد بالنظائر وتهدئة الخواطر الثائرة أو إثارة الشئون الهادئة. •••

ثم قد تتعقد القضايا وتشتبك المرافعة، فنرى ضروبا من المترافعين المساعدين بجانب المترافعين الأصليين.

هذا هو «الخوف» يظهر وسط المرافعة بلونه الأسود المرعب يلوح لهذا وذاك، يحمل في يده لوحة كتب عليها بوضوح: «الآلام المنتظرة من العمل» قد يخوف بها الجسم إذا استمر في خضوعه لشهوته، وقد يخوف بها الروح في إمعانها في الجري وراء مثلها الأعلى، وله في ذلك وسائل مختلفة، ومستندات قوية، يتخذ أسلحته من الرأي العام يحتقره، ومن بيئته تزدريه، ومن الفقر يلحق به، ومن الموت يدركه، ومن المرض يضنيه، ومن العار يلحقه، وهو ماهر في كل ذلك، يستعمل لكل موقف ما يناسبه من وسائل.

وهناك شبح آخر يقف بجانب الخوف غريب الأطوار حقا، يلبس لباسا خاصا غير ما يلبسه الوكلاء، يتخذ بعض أشكال الخوف وبعض أشكال الرجاء، فيه مسحة من الملائكة، ومسحة من الشياطين، يبعث منظره الغريب اليأس من جانب، والأمل من جانب، واللذة من ناحية، والألم من ناحية، لا يشبه شيئا من عالم الواقع ولا عالم الحقيقة، ذلك هو الخيال، يلعب في القضية ألعابا سيمائية، يرسم أحيانا صورا جميلة جدا يقوي بها الشهوة ويشد أزرها، ويرسم أحيانا صورا مخيفة يسلمها للخوف الذي بجانبه يحذر بها من الإقدام على تحقيق الشهوة فيجعلها تنضمر أمام الضمير.

وهذا محام آخر أخذ موقفه بجانب الشهوة، وتزيى بزي الفتاة اللعوب، تبرجت وازينت، اصطلح الناس على تسميتها العواطف، اعتادت أن تتشكل أشكالا مختلفة، أحيانا تقف موقف حب فتلهب الرغبة وتحمسها، وتطعن الضمير والعقل طعنات مميتة، وأحيانا تقف موقف بطولة، فتحيي الضمير وتلهبه وتمده بروح منها، وهكذا دواليك، تلعب في المحكمة ألعابا مدهشة، قد تستفيد منها الشهوة، وقد يستفيد منها الضمير، وقد يستفيد منها العقل. •••

أمام كل هذه المناظر جلست على منصة القضاء «الإرادة» تصغي إلى هؤلاء جميعا، وتمعن في النظر إلى هؤلاء جميعا، وتفهم كل المترافعين حسب لغاتهم ووسائل إغرائهم، ويعرض لها ما يعرض للقضاة، فتكون القضية مكيفة تكييفا قانونيا واضحا، فتصدر حكمها في سهولة ويسر وسرعة، وأحيانا تتعقد القضية وتتشعب، وتقوى أدلة الخصوم وتتعادل، فتؤجلها لتقديم المذكرات أحيانا وللنطق بالحكم أحيانا، ثم تمعن النظر وتصدر الحكم وأحيانا لا تصدره أبدا، ثم شأنها شأن القضاة، تخطئ وتصيب، ومنها نوع يكثر خطؤه، ونوع يكثر صوابه، وهناك قضايا جزئية ليس فيها استئناف ولا نقض ولا إبرام، وهناك قضايا تستأنف، وقضايا تنقض ثم تبرم، وهكذا.

ألست معي - أيها القاضي الفاضل - أن محاكمنا أصل محاكمكم، وأنكم قد قلدتمونا، فأخطأتم التقليد أحيانا، وأصبتم أحيانا؟ ولا أظنك تستطيع أن تدعي أن محاكمنا هي التي قلدتكم، فمحاكمنا قديمة قدم الإنسانية، ومحاكمكم حادثة حدوث المدنية.

| سيرة الرسول في كلمة

من نسل إسماعيل، في بيت عرف بالدين

وتقلبك في الساجدين

يلي آباؤه أمور مكة، ويحجبون بيتها، ويطعمون حجيجها، ويبني جده قصي «دار الندوة»، فيجعل بابها إلى الكعبة، ويجعل إليها أمور قريش كلها، فلا يقضى زواج إلا بها، ولا يعقد لواء حرب إلا فيها، ولا ترحل رحلة إلا منها، وهو سيد قومه يتبعون أمره، ويعرفون فضله، ويتيمنون برأيه، وابتدع أشياء لقريش تحمسوا بها في دينهم، وتشددوا بها على أنفسهم، فسموا من أجل ذلك «بالحمس» - وأورث بنيه مجده وشرفه ودينه وعصبيته للبيت وإشرافه على شئون الحج، وجده هاشم صاحب إيلاف قريش

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٦٢